3

:: العابثون بالتاريخ! (2) - (من الخرافة التاريخيَّة إلى التخريف الجغرافيّ) - رُؤى ثقافيّة 136 ::

   
 

التاريخ : 13/12/2014

الكاتب : أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي   عدد القراءات : 2115

 


 

 

 

ولقد علمتُ  ولا محــالـةَ أنَّـني          للحــادثـاتِ  فهل تَرَيني أجـزَعُ

أفــنينَ عـــادًا ثـمَّ آلَ محــرّقٍ            فتركنهـمْ بَـدَدًا وما قـد جَمَّعُـوا (1)

حين نتساءل عن عبث هواة التاريخ المحدثين، وعن موقف الجامعات العربيَّة، وسكوت أقسام التاريخ، والجمعيَّات التاريخيَّة، عن عبثهم المستمر، فما ينبغي أن ننسى طائفةً أخطر من العابثين الأكاديميين، الذين لا يقلّون عبثًا واختلالًا منهاجيًّا. ولعلّ المثال الأصخب والأشهر كان قد تبدَّى في كتاب (كمال الصليبي) «التوراة جاءت من جزيرة العرب». وقد أُلِّف الكتاب بالألمانيَّة، ثم تُرجم إلى الإنجليزيَّة، ثم إلى غيرها من اللغات الأوربيّة؛ فغير العرب أَولَى به، وهو أهمُّ لديهم كي يعرفوا تاريخ (الشرق الأوسط) المغيَّب عنهم، إنْ شاؤوا أن يعرفوا؛ فلا سياسة بلا معرفة. ثمّ تُرجم الكتاب إلى العربيَّة، ونُشر 1985، وانهالت الطبعات المتوالية، التي لا يعلم إلّا الله كم بلغ عددها! لقد كانت سادستها في عام 1997، ثم احترق العدّاد لكثرة الطبعات، وازدياد الطلب الشغوف بالكتاب. وهذا مؤشِّر مدهش على المستوى العِلْمي، وعلى نوعيَّة الكتب التي تحظى بالرواج في العالم العربي، إلى جانب كتب السِّحر، والشعوذة، والتطرّف، والشِّعر الشعبي. فيكفي أن يكون الكتاب مخالفًا، ولو للعقل، ليحظى بالانتشار. وقد أتبع المؤلِّف كتابه السابق بكتابين ذوَي علاقة، هما: «خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل»، 1988، و«البحث عن يسوع، قراءة جديدة في الأناجيل»، 1988. ثم واصل الحفر في هذا النفَق لحمل (إسرائيل) إلى (جزيرة العرب) في كتاب نشره سنة 2007، تحت عنوان «عودة إلى "التوراة جاءت من جزيرة العرب": أورشليم والهيكل وإحصاء داود في عسير».

في ذلك الكتاب الأوّل جاء المؤلِّف بما لم يسبقه إليه أحدٌ من العالَمِين. والبرهان على قدر الادعاء. ومع هذا فقد جاءت محاولات برهنته على نحوٍ فريدٍ في تهافته وهزله. فهو ينقل تاريخ إسرائيل المدَّعَى القديم من (فلسطين) إلى جنوب غرب الجزيرة العربيَّة، لا لشيء إلّا لوجود بعض حروف من مفردات (التوراة) في أسماء أماكن هنا وهناك. وبعيدًا عن أيّ مضامين دِينيّة أو أبعاد أيديولوجيّة أو سياسيّة وراء الكتاب أو أمامه، فهو متهافت الاستقراء والتصوُّر والاستدلال والاستنتاج، بدرجةٍ لا تُصدَّق.

لقد اكتشف الصليبي- فيما اكتشف- أن «نشيد الأنشاد» كان عن جبال (فَيْفاء) وضواحيها! فصار بدل «نشيد الأنشاد»: «نشيد من جبال جيزان [كذا!]»، كما عنون أحد فصول كتابه! كيف لا، وجبل (جلعاد) في نصّ النشيد القائل: «شَعرك كقطيع معزٍ رابضٍ على جبل جلعاد»، المقصود به: (جبل فَيْفاء)! ولا أدري أيّ جبلٍ من تلك الجبال جلعده الصليبي هاهنا؟! قال: «حيث هناك قرية الجعدة»! ولم أسمع عن (قرية الجعدة) تلك، ولا أدري أين تقع؟ أو بالأحرى أين وقع هو عليها؛ في أيِّ معجمٍ ظلَّ يتكئ عليه في (بيروت) ويقارن؛ فيخطئ أكثر ممّا يصيب؟ لكنه يستدرك بأن قرية أخرى باسم الجعد في (رجال ألمع)، فلعلَّها هي! وكثيرًا ما يتردَّد هكذا في تحديد الأماكن، فيتقافز من (جازان) إلى (أبها) إلى (الطائف) إلى (القنفذة)، إلى غيرها؛ لأن الأسماء تتشابه، وتتكرَّر أسماؤها في كلّ مكان. ولولا أنه حصر نفسه في غرب الجزيرة وجنوبها، لوجد أمثالها في أرجاء الجزيرة المختلفة. وإذا لم يجد الاسم، افتعله، كما ترى في اسم «جلعاد»! 

أستغفر الله، لعلّه يعني بقرية الجعدة منزلًا في فَيْفاء اسمه (الجعيدة)، في بُقعة (نَيْد آبار)، ضمن بيوت قبيلة (آل الثُّوَيْع). فإذا كان ذلك، فقد وقع في منزلقٍ أكثر مفارقة وإثارة للإشفاق؛ ذلك لأن الجعيدة مجرد بيتٍ مأهول؛ وأهل فَيْفاء يصفون البيت الضخم بـ«قرية». هو، إذن، لا يعدو بيتًا عائليًّا، لا قرية هنالك ولا يفرحون! ولكلّ بيتٍ تسمية في تلك الجبال، كَبُر أم صَغُر، قديم أم حديث. فكيف يصبح اسم بيتٍ واحدٍ- بُني في زمنٍ متأخّرٍ جدًّا- اسمًا لكلّ جبال فَيْفاء، ويعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة؟! هكذا يتساءل الكاتب (أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي)، في مقاله بعنوان "العابثون بالتاريخ: (من الخرافة التاريخيَّة إلى التخريف الجغرافيّ)"، ثم يضيف: لقد سمع المؤلِّف بـ«قرية الجعيدة»، أو قرأ هذه التسمية، فظنّها قرية كاملة فعلًا، ثمّ استنتج أن جبال فَيْفاء هي جبل جلعاد التوراتي. وهذا خير دليل على الزيارات التي زعم أنه قام بها! وأقول لو أنه دقَّق أكثر لاكتشف اسمه هو موجودًا أيضًا في أسماء بعض البيوت؛ فثمةَ بيوت باسم (الصلاب، والصلبة- أسماء ثلاثة بيوت في مواضع مختلفة- والصلبتين أيضًا). كما كان سيجد من أسماء البيوت ما يجمع الأوطان كلَّها والدنيا والآخرة؛ فهناك بضعة آلاف من البيوت أو أكثر، لكلّ بيت اسم خاصّ، منها على سبيل المثال: (السفينة، والسقيفة، والسودة، ورازح، والمحالة، والعين، والصامل، والصوملي، والملاوي، والخنساء، والطائف، والمحلَّة، والمعادي، ومصر، ومَنَفَة، والشمسية، وقمر، وسماية، والقعبة، والكعبة، والحَرَم، والصفا، والمروة، والخندق، والمحرقة، وجِحْم، والجحيمة، والقِيامة.. إلخ). كلّها أسماء أماكن وبيوت في جبال فَيْفاء. وهكذا فلو أردتُ أن أحاكي منهج الصليبي، لوجدت كلّ أسماء المواضع التي طوَّف بها من الطائف إلى (هَرُوْب) موجودة في جبال فَيْفاء وحدها.

دعونا نجرِّب لعبة الصليبي، لنسأل هل يمكن أن نستنتج مثلًا أن أسماء الأماكن في (سِفر عزرا وسِفر نحميا)، التي أوردها (ص161ــ 165)، تقع في جبال فَيْفاء؛ لأن تلك الأسماء موجودة فيها إلى اليوم؟ ومن ثمّ نستنتج نتيجة مدهشة، هي أن هذين السِّفرين كُتبا في جبال فَيْفاء، ويتحدثان عن تجربة جرت هناك قبل ثلاثة آلاف سنة؟ نعم، يمكن ذلك. فنقول، وبالله التوفيق، إن قُرى خدم المعبد (النتينيم) الواردة في السِّفرين المذكورين هي- على طريقة المؤلِّف في الاستقراء-  على النحو الآتي:

صيحا (صيحء في عزرا، وصحء في نحيما)، وهي: الضَّحْي، في فَيْفاء، 3 مواضع. قيروس (قرس)، وهي: الكِرْس. لبانة (لبنة)، وهي، "ولا بُدّ" مكان اسمه: لبان. حجابة (حجبة)، وهي: إمّا الحداب، أو الحَدَب، 15 موضعًا، أو الحَدَبة، 3 مواضع. شَمُلاي (شملي)، الشَّمُلاء (شملء)، وهي: إمّا شملة، أو شُمَيْلَة. عقّوب (عقوب)، وهي: إمّا عوجبة، أو العقبة. جَحَر (جحر)، وهي: إمّا الأجحار، أو جِحر بَدَع. حانان (حنن)، وهي: الحنانة. رَصِين (رصين)، وهي: رَيْسان، 7 مواضع. فاختر ما شئت منها! نقودا (نقودء، أو نقود إذا أهملت أداة التعريف الآراميّة اللاحقة)، وهي: ناجد، موضعان. بيساي (بسي): وهي: البزو، أو ربما بوثن. مَعونيم (جمع معون أو معوني)، وهي: إمّا ناعم، أو نعمان، أو نعيمة. نفوسيم (نفيسيم، مثنى أو جمع نفيس)، وهي: إمّا النفيش، أو النفز.

هكذا، وأنت ماشٍ... كلّها، إذن، أماكن في جبال فَيْفاء!

هذا فقط ما تُسعف به الذاكرة، دون تعمُّد بحثٍ واستقصاء. ولو بحثنا ونقّبنا، لوفقنا الله حتمًا إلى مواضع أكثر مطابقة لأسماء التوراة! 

لن نستمر في سرد الأسماء والمقارنات؛ لكي لا نثقل على القارئ بهذا السرد. وإنما أردنا تبيان سهولة منهج الصليبي. ها نحن هؤلاء نجد المواضع في فَيْفاء وحدها، متجاورةً مترافقة، من نحو ما وردت في السِّفرين التوراتيَّين. فهل هذا دليل يستند عليه في شيء؟! فكيف لو عرّجنا، كما فعل الرجل، في معجم الأسماء الذي زوَّدَه به «المعجم الجغرافي للبلاد العربيَّة السعوديَّة»، من حيث لم يحتسب؟! ماذا لو فعلنا ذلك، فشرعنا نقارن الأسماء من الطائف إلى هَرُوْب، وشطحنا أحيانًا إلى (الحجاز)، بل إلى (اليمامة)، تتبُّعًا لأيّ مقابِلات من الحروف والأسماء. وما أوردناه أعلاه أسماء أماكن حقيقيَّة معروفة اليوم، لا أسماء قبائل، كبعض الأسماء في كتاب الصليبي، أو أسماء متوهَّمة، أو مصحَّفة، ظلّ يستنتج منها استنتاجاته العجيبة. ودون حاجةٍ كذلك إلى تقليب الحروف، كما يفعل الصليبي، كأن يقول، مثلًا، إن (حبرون)، عاصمة (داوود) الأولى، هي قرية (خربان)، في (المجاردة)!

[للمناقشة بقيّة].

 

(1) البيتان للشاعر الجاهلي (متمّم بن نويرة). وفي (الضَّبِّي، المفضَّل، (1979)، المفضَّليّات، تحقيق وشرح: أحمد محمَّد شاكر وعبدالسلام محمَّد هارون (القاهرة: دار المعارف)، 53/ 39- 40): «فتركنهم بَلَدًا»، وقيل معناه: «تُرابًا».  ويبدو لي أن الكلمة تصحيف لكلمة «بَدَدًا».

***

العابثون بالتاريخ! (1)

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.