3

:: العابثون بالتاريخ! 3- (المؤرِّخ حين يفقد حِسَّه التاريخيّ) – رؤى ثقافية 139 ::

   
 

التاريخ : 30/12/2014

الكاتب : أ. د. عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي   عدد القراءات : 1220

 


 

 

 

 

     إن بوسع الباحث أن يجد في أسماء المَواطن في شِبه الجزيرة العربيَّة موسوعةً من الأسماء تكاد لا تنتهي. وليس المعيار بوجود الحروف والأسماء هنا أو هناك لتحديد مسارح الأحداث التاريخيَّة. ذلك أن أسماء المواضع كأسماء الناس تتكرَّر كثيرًا وتتشابه. ومن طبيعة الشعوب البدائيَّة أن تستدلّ بالتسميات لا بالجهات، ولاسيما في التضاريس الجبليَّة. ثم هي إلى ذلك تحافظ على تلك الأسماء على نحوٍ لا مثيل له في البيئات الحضريَّة، وتُراكم ذلك التراث عبر الأزمان، وتحمله معها حين تترحل من مكان إلى مكان. فيتشكَّل من ذلك معجم غنيّ من الأسماء. وهي أسماء قد تُطلَق اعتباطًا لتمييز المكان، أو تعبيرًا شاعريًّا عن طبيعته أو عن شكله، أو لحوادث مرَّت به، أو أشخاص كانت لهم به علاقة. ومع ذلك، فإنه من المستبعَد، في أيّ مكان، أن تبقى معظم الأسماء متوارثةً لا تتغير لمئات السنين، فضلًا عن ألوفها. وقل مثل هذا، بل أكثر من هذا، عن أسماء القبائل والعشائر والأُسَر. وغريب أن يكون مؤرِّخ (ككمال الصليبي) فاقدًا حِسَّه التاريخي، فيفترض أن فرع قبيلة كان قائمًا بالاسم نفسه، مذ ما قبل التاريخ، أي منذ عهد النبي (إبراهيم) وذريّته، إلى يومنا هذا. غير أن الصليبي ظلّ يفترض ذلك؛ فإذا وجد اسمًا شُبِّه له باسمٍ توراتيٍّ، افترض أنه هو، دون أن يسأل نفسه: لِمَ سُمِّي هذا المكان بهذا الاسم؟ وفي أيّ تاريخٍ حَدَثَ ذلك؟ من هذا، مثلًا، أنه ينسب (بني هاجِر)، في شرق الجزيرة العربيَّة، القبيلة العبيديَّة القحطانيَّة، إلى (هاجَر، أُمّ إسماعيل بن إبراهيم). مع أن بني هاجِر قبيلة قحطانية، وإنما جاء لقب هاجِر، كما يفيد أبناء هذه القبيلة، من لقب جدّهم (منصور بن الضيغم العبيدي)؛ لأنه هَجَرَ رَبْعَه من (بني الضيغم) هؤلاء. وهاجِر هذا عاش في العصر الإسلامي. فما علاقة هذا اللقب بهاجَر زوج إبراهيم؟! كالعادة، العلاقة: (هاء، جيم، راء)!

    وهذا هو نهج الصليبي في الأسماء وغير الأسماء. من ذلك كذلك أنه يرى أن (يونان/ يونس) كان نبيًّا من (عُمان). وبعد أن ساق قِصَّته- مشيرًا إلى أن فكرة (الحوت) الذي التقمه إنما نشأت عن فهمٍ مغلوطٍ لعبارة "بطن شءول"، في صلاة يونس، التي تعني بطن وادٍ اسمه "شؤول"، (=وادي سال، في المنطقة الشرقيَّة من عُمان)، أو لعلّها، كما قال، مقتبسة عن خرافة هنديَّة، فضلًا عن أن العِلم قد أثبت استحالة حياة إنسان في جوف حوتٍ لأيّ فترة زمنيّة(1)- انتهى إلى السؤال: هل كان يونس عِبْريًّا؟ فاستشهد باستعمال لَهَجيٍّ اليوم في منطقة الخليج، وهو قول الناس عن المسافر بحرًا: إنه "عِبْريّ". فزعم أن يونس إنما استعمل الكلمة بهذا المعنى!(2) وبذا فإن يونس لم يكن عُمانيًّا فحسب، بل كان أيضًا يحكي اللهجة الخليجيَّة الدارجة اليوم!

إذن، كان على الصليبي، أن يمضي قُدُمًا في استقرائه واستدلالاته العجيبة؛ إذ يكاد كل حَجَرٍ- في جبال (فَيْفاء)، على سبيل المثال كما أوضحنا في المقال السابق- يحمل اسمًا معيَّنًا، يمكن أن نجد له شَبَهًا باسمٍ تاريخيٍّ ما من العالم! وعلى هذا، لو استقصى صاحبنا واتبع منهاجه، فسيقلب وجه التاريخ والجغرافيا معًا!

إن ما قدَّمه الصليبي لا يعدو التماس أسماء أماكن تحمل حروف أسماء واردة في التوراة، تخلب لُبَّ من يطالعها باديَ الرأي، ولا سيما مع قدرة الرجل على العرض المثير الموهِم، حتى إذا تفحّصتَها، وسعيتَ إلى التحقُّق من صحّتها، ومن جدارة الاستناد عليها في الاستدلال، وسألتَ عن تفرُّد البُقعة الجغرافيَّة التي نُسِب إليها ما وَرَدَ في التوراة بوجود أمثال تلك الأسماء، تبدَّت لك هشاشة ما بنَى عليه بنيانه، الأشبه بقصيدةٍ طريفةٍ منه ببحثٍ عِلْميٍّ منهجيٍّ جادّ. ولقد كان رائدَ هذا الهراء، الذي فتح شهيَّة آخرين انبثقوا من عباءة تهويماته تلك في كتبٍ شبيهة، سنقف عليها لاحقًا.  غاية الأمر أن الرجل وقع على ثروةٍ من الأسماء تتيح له أن ينقل الأسماء من (فلسطين) إلى جنوب غرب الجزيرة العربيّة دفعةً واحدة. إلى درجة أنه كان يجد أحيانًا أكثر من اسمٍ واحدٍ في غير ما مكان، فيحار أيّها يختار، هذا أو ذاك أو ذلك. بل إنه قد استغلّ تلك الثروة من الأسماء في ربطها بمفردات لغويَّة لا علاقة لها بأسماء الأماكن؛ فصار يلتمس لكلّ مفردةٍ توراتيَّةٍ مقابلًا في أسماء الأماكن. مثال ذلك قوله إن المِصْريّين القدماء كانوا يعتقدون أن لكل إنسان ذاتًا قرينة هي "صورته" أو "شكله"، كانوا يسمّونها: "كا". ثم ذهب إلى أن اللفظة المِصْريّة القديمة هذه ما زالت موجودة في غرب الجزيرة العربيَّة في أسماء أماكن كـ"القاو"، و"القاوة"!(3) فما علاقة تلك العقيدة بأسماء تلك الأماكن؟ إنه معجم لغوي من الأسماء وَجَدَ في حروفه ما شاء، جغرافيًّا وغير جغرافي. ولو أنه تأمّل في الأمر، لأمكن أن يكون أقربَ إلى التصوّر المعقول افتراضُ أن أسماء المَواطن المذكورة في التوراة هي مما هاجر إلى فلسطين من الأسماء مع (اليبوسيّين) المهاجرين إلى فلسطين من جنوب شِبه الجزيرة العربيَّة، فسمَّوا مستوطناتهم الجديدة هناك بأسماء مَواطنهم العتيقة. ولا يَبعُد أن تتقارب أسماء الأماكن وتتراتب على النحو نفسه هنا وهناك؛ لأنهم يُسمّون المَواطن الجديدة حنينًا إلى دارهم الأُمّ، محاكين هذه بتلك، لا في التسمية فحسب، بل في الترتيب الطبوغرافي أحيانًا. وها قد رأينا في المقال السابق عيِّنة دالَّة ممّا وردَ في سِفرين من التوراة، جميعها متجاورة بالترتيب نفسه في فَيْفاء. ثم اندثرت بعض تلك الأسماء الجديدة في فلسطين، ولم يَعُد لها ذِكرٌ اليوم؛ لأنها مستعارة من جهة، ومن جهةٍ أخرى لأن من طبيعة الحواضر التحوّل المستمرّ والتبدّل في كلّ شيء- بما في ذلك البلدات والأسماء- بخلاف غير الحواضر، على حين بقيت الأسماء في قرى جنوب شِبه الجزيرة العربيَّة وغربها وفي بواديها وأريافها. وبخاصة أن مملكة (إسرائيل) لم تَقُم لها قائمة ذات وزنٍ تاريخيّ في بلدات فلسطين منذ تدميرها على يد (نبوخذنصر) وسبي سادتها إلى (بابل) في القرن السادس قبل الميلاد. وتلاشت اللغة العبريَّة حتى ماتت، لتحلّ محلّها الآراميَّة. ثم تعاقبت على تلك الأرض الشعوبُ والأعراق، والأُممُ والحضارات. فكان طبيعيًّا أن تندرس الأسماء، أو أن يندرس كثيرٌ منها، أو أن يُستبدل بها سواها. فكيف خُيِّلت إلى الصليبي ضرورةُ أن يعثر عليها اليوم كما وردت في الكتاب المقدّس، وإلّا رأى أن التاريخ ليس هناك بل في مكانٍ آخر؟! أيظنّ هذا مؤرِّخٌ أو جغرافيٌّ يرعى طبائع التحوّلات التاريخيَّة والحضاريَّة؟! لأجل هذا كلّه كان من الحتميّ جدًّا أن لن يجد كثيرًا من الأسماء التوراتيَّة واضحة اليوم، لا في فلسطين، ولا في مصر، ولا في سيناء، كما يمكن أن يجد مشابهات لها في الجزيرة العربية. فهو حتى لو بحث عن الأسماء الواردة في التاريخ المِصْري القديم، الثابت من خلال النقوش والكتابات، لوجد معظمها، إنْ لم تكن كلَّها، قد اندرست، وبُدِّلت تبديلًا.

إن الظاهرة التي عوّل عليها صاحبنا ليست بخاصة بتاريخ العبرانيّين، لنستدلّ منها على أن المكان غير المكان(4)، بل هذه ظاهرة لغويَّة عامَّة معروفة، وغير متعلّقة بأسماء المَواطن وحدها. وما زالت لهجات جنوب الجزيرة العربيَّة محافظة على موروث لغوي موغل في القِدَم، انقرض من غيرها، حتى من العربيَّة الفصحى، ومن أجزاء أخرى من الجزيرة العربيّة نفسها؛ للأسباب الحضاريَّة المُلمَح إليها. لا جديد، إذن، في القول إن شِبه الجزيرة العربيَّة كانت معدِن الأُمم القديمة، المصطلَح على تسميتها بالأُمم الساميَّة، ولا جديد في القول إنها حافظت على موادّ لغويَّة وأسماء تاريخيّة وآثار معرفيّة بادت من غيرها. أمّا المسارعة إلى عزو الحِقَب التاريخيَّة، والتفرّعات الإثنيَّة المتعاقبة إلى غير مَواطنها، والزعم أنها كانت تعيش في الجزيرة العربيَّة، لمجرد وجود تشابهٍ في أسماء المواضع- وإن أُضيف إليه تجاورها بالترتيب الوارد في التوراة- فغُلُوٌّ في الافتراض، أقلّ ما يوصف به أنه لا يقوم على برهانٍ عِلْميٍّ كافٍ للإقناع. 

[للمناقشة بقيّة]

 

(1) والقضيَّة هنا ليست بقضيّة عِلْميّة، للبحث عن إمكانيّتها عِلْميًّا، بل هي قضيّة إعجازيّة خارقة للطبيعة، لمَن شاء أن يؤمن. وإلّا فأَنَّى للعِلْم أن يُثبت ما هو أعظم منها، كخروج ناقةٍ من صخرةٍ، مثلًا؟! ولولا هذا لما عاد لمفهوم المعجزة معنى. 

(2) انظر: الصليبي، كمال، (2006)، خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل، (بيروت: دار الساقي)، 287- 000.

(3) انظر: م.ن، 175.

(4) انظر: م.ن، 249.

***

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.