3

:: حدائق الظمأ ::

   
 

التاريخ : 22/02/2011

الكاتب : خيري حمدان   عدد القراءات : 1449

 


 

حدائقي العطشى، تلك التي هجرها المطر وأتعبها الصقيع، جفّف شرايينها وأوردتها الدموية. حدائقي المهجورة، قصفت أعناق زنابقها، لم يبقَ من رحيق الورد سوى الذكرى. جلست بالقرب من قلبها..

ينبض، ينبض قلب حدائقي متسارعًا.

ينزف، ينزف قلب حدائقي محتضرًا.

مرّ من هنا طيف صغيرتي يومًا، كانت ما تزال تمارس البراءة، لكنّها الآن تمارس الحياة. ألهذا أضاعت شبح ابتسامتها الجميلة؟

مرّ من هنا طيف أمّي التي كحّل الليل عينيها، لكنها الان تجترّ الحياة في لحظات الغروب، قبل أن تدلق الشمس بقايا خيوطها الدافئة خلف المتوسط.

مرّ من هنا عابث بجيناتي، قال بأن الخالق أذن له بتحديد خارطة مستقبلي ومستقبل أبنائي، رمى في حديقتي حجارة كلسية فماتت.. ماتت أصابع الزنبق وانتحر العندليب تفاؤلاً فوق الجدار.

حدائقي الظمأى لم تعرف طعم الماء منذ ولادتي عند حدود المستحيل. حدائقي انقلبت على ذاتها، قتلت ريحانها، امتلأت بالقبور، ضمّت رفات القصائد، شهداء الحرية المنشودة، المسروقة، المغتصبة، المهينة، المهانة عند عتبات الصفا والهوى.

حدائقي فتحت أسوارها على امتداد الصحراء، هبط النسر الكاسر فوق ظلّي، نهش لحمي، سرق ناظري، لم يترك لي سوى مخيلة مشتتة ما بين الحب والغضب والدهشة. هنا سقط شاب وآخر غطى جسده بجسده المدميّ من أثر الأنياب والمخالب الجارحة. هنا سقط القصّ وأعلنت الرواية الحداد على كامل أبطالها دون أن تنتظر قلم الكاتب وإرادته. أبدت تمرّدها على السراب واجترار الأمل المعسول بسموم وطنية.

حدائقي تنصلت لفسائلها، نسيت تربتها الخصبة وابتاعت حارس أحلام يقف عند مداخلها، حارسٌ يمنع الطيور المهاجرة من قطرات الماء المتجمعة في جوفها وشرايينها.

حدائق الظمأ التهمت ما تبقى من شتاتي، وعدتني برسالة عاجلة من عشيقتي، لكنها عاجلتني برصاصة، صاحت: أنا حامل، جوفي نفط أسود، ذَهَبٌ يحرق رمش العين، اذهب أنت وحبيبتك قاتلا بعيدًا عن مدى البندقية. فليفنَ الورد في حدائق حرمت من قصائد النوى ورجع الغرام وكحل العين.

لم يبق سوى ذكرى أمّي.. تلك التي كحّل الليل عينيها فكانت لأكون.    

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.