3

:: على شفا هاوية ::

   
 

التاريخ : 04/03/2011

الكاتب : خيري حمدان   عدد القراءات : 1283

 


 

 

غاب عشرين عامًا عن القرية، قرر أخيرًا العودة بعد أن طال شوقه إلى مسقط رأسه. لم يكن يشعر بالتعب مع أنه سافر لساعات طويلة بالسيارة بعد أن استقل الطائرة للحضور من طرف العالم الآخر إلى هنا. كان الهواء باردًا للغاية، لكن صوت فيروز العذب أزال عنه الهمّ والكرب وخلق لديه حالة من فقدان الجاذبية كأن ملائكة كانت ترفعه ليطير ويحلّق ويطوي المسافات تجاه تلك القرية الصغيرة النائية. كان يعرف بأن والديه قد وافاهما الأجل قبل سنتين، لكن هذا لا يمنع من سقي قبريهما وقراءة ما تيسر من الذكر الحكيم فوق رأسيهما، ثمّ التجول في الحقول المرابطة حول القرية. كان في انتظاره ثلة من الكلاب الضالّة، بدأت تنبح بقلق وتوتر وانفعال، ألقى بقطع من العظام وبعض اللحم من نافذة العربة وسرعان ما انقضت الكلاب على الوليمة تنهشها بشغف بعد جوع. خرج من العربة، كانت الرهبة قد ملأت تجاويف قلبه. لم يكن الخوف من الصمت والفراغ هو الذي جعله في حالة تحفّز. لكنها الوحدة التي هرب منها ليسقط في شباكها ثانية. ما الذي حدث هنا يا ربي؟ كان من الواضح بأن القرية قد اندثرت واختفت عن وجه الأرض، لم يبق سوى أطلال مرعبة مخيفة شبه مجهولة ورياح تعبث ببقايا الحياة هنا في قرية لم تتحمل وقع الحياة فقضت وقضت على أحلام العاشقين الهاربين على بعد آلاف الكيلومترات! كان من الواضح بأن حالة من الاحتضار البطيء أنهت آخر شهقة في هذا المكان. غاب المصنع الصغير مصدر العيش وملجأ الصغار على بعد كيلومترات معدودة من مركز القرية. غابت السوق التي كانت تبيع الحبّ والدفء والكستناء ولحم الضأن والشواء وتوزيع كعك العيد. غابت الابتسامة وصراخ الصغار والرضع وخلاف الكبار على أتفه الأمور والقضايا. غاب صراع الأجيال بعد أن غادر جيل صاعد من جوف التربة ليمضي نحو الأفق بحثًا عن ذاته. أطفأ الليل والتاريخ عمود النار المتقاذف نحو كبد السماء من المخبز الذي كان يمتلكه يومًا ما أبو عامر فاندثر ومال على جانبه الأيمن. المخبز - خاصرة القرية، مدفأتها العامرة الواقفة بإصرار في وجه الصقيع. لم تسِلْ دموع من عينيه بل سالت نيران حرقت خديه. مدّ يديه إلى صدره، أخرج قلبه الداميّ، صاح القلب قائلاً: ما الذي فعلته يا هذا.. أنت صدى ذاك الفتى الذي كنته يومًا؟ أجابه العاشق: إنها الدنيا يا قلب تدور وتدور حتى يتعب الدوران ويسقط في الهاوية والنسيان. قفز القلب من بين يديه وبقي يتقاذف حتى وصل إلى قبرين أخضرين. سقاهما بدمائه معتذرًا قبل أن يرمي بنفسه في فم الكلب الضالّ الذي لم يعرف يومًا معنىً للشبع!  

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.