3

:: بلا أجنحة ::

   
 

التاريخ : 15/04/2011

الكاتب : خيري حمدان   عدد القراءات : 1546

 


 

 

((انتحار))

ما دون السحاب بقليل، هناك حيث اختفت كلّ الهموم والمتاعب ووجه الحبيب. ما دون السحاب جلست نظرت عبر الأثير، لعلّ السماء تدمع، تمطر حبًا، تسمع نداء القلب الكسير. أغمضت عينيها، استمعت إلى الطيور المهاجرة بفطرتها نحو الجنوب، مدت يديها إلى جانبيها وركضت بكلّ ما أوتيت من حرية، قفزت من الأعلى – ما دون السحاب بقليل. كانت "هي" دون غيرها من فتيات الدنيا تهبط نحو وقع الحدث بسرعة خرقت حدود القلب، لحظتها انفطر الفؤاد ألمًا، عصر ذاكرة وجودها قبل أن تسمع مندهشة صوت ارتطام جسدها على رصيف الحياة.

 

***

((رهاب الموت))

كان يهرب في كلّ الاتجاهات، ينظر تارة إلى الخلف وإلى اليمين واليسار تارة أخرى، لم يتوقف عن الركض ولم يمنعه تسارع دقات القلب المرهق. وقف للحظات، رآه يبتسم هادئًا منتعشًا، لم يشاهد علامات خوف أو فزع أو قلق على تقاطيع وجهه. قفز إلى الحافلة التي غذت تواتر سرعتها نحو المحطة التالية، نظر من الزجاج الخلفي، رآه ثانية يسير خلف الحافلة دون إجهاد أو كلل. هبط من الحافلة، جلس على قارعة الطريق. جلس الآخر على الرصيف المقابل، لكنه سرعان ما حضر إلى طرفه وجلس إلى جانبه. قدم له سيجارة بصمت.

- أنت "هو" الذي لا هرب منه .. أليس كذلك؟

- نعم .. لا هرب مني يا صديقي، لا تحقد عليّ، فأنا أيضًا متعب من كثرة مهماتي الأخيرة.

- هل حان الوقت؟

- يمكنك أن تدخن سيجارة، قدمتها لك عن طيب خاطر.

أشعل السيجارة ونظر في الأنحاء، كان هناك مبنىً شاهقًا وحيدًا في تلك المنطقة المهجورة، وقف على قدميه ودلق ذاته نحو داخل المبنى هاربًا من جديد. لم يحرّك الأخير ساكنًا، هزّ رأسه وهمس قائلاً "كنت في حيرة من أمري، كيف سألتقط روحه بعد دقائق حين سيلقي بنفسه من أعلى البناء، ما دون السحاب بقليل!؟".

 

***

 

((القتل البريء))

 

نظر إلى الجموع المتجمهرة في الساحة، كانت تهتف "حرية، سلمية". صكّ أسنانه بحقد، بصق على الأرض، ثم حفر التراب بحافره كالثور الهائج، رفع رشاشه، صوبه نحو الجماهير. نظر إلى أعوانه، صرخ لأقربهم منه آمرًا:

- أقتل هذه القطعان باسم البعث، باسم الأمن والبقاء! أقتل ربيع هؤلاء المندسين من آخر الدنيا، لا تصدّق أذنك إذا سمعتهم يتحدثون العربية، إنهم مندسون، خونة، طارئون في نهارنا! أقتل بحقّ البعث. من عارضنا ليس منّا، من عارضنا نرسله بتذكرة باتجاه واحد ليوم البعث .. أقتل!

تردد الفتى قليلاً، دمعت عيناه، ارتجفت يمينه، كان يعرف بأن ابن عمه أو ابن خاله أو صاحبه أو خطيبة المستقبل أو مدير مستشفى أو مشروع عالم أو رجل دولة ناجح أو مجرد عاشق يقف متفائلاً بين الجموع.

- أقتل يا جبان .. العسكري ينفذ ثم يفكر ولا يجادل أبدًا!

 

انطلقت رصاصات من بندقية آلية، دوّى صداها في الأنحاء. وقعت البندقية من يد الفتى، انقلب على ظهره، شعر بأنه قد بات حرًا من أوامر القتل الذي أوصفها رئيسه "بالقتل البريء"! كانت الدماء تسيل من كتفه وبطنه وأعلى فخذه.

- آه .. لم يكتب لي الوفاء بعهدي يا ليلى!

كان يرى وجهها جميلاً مغطّى بإكليل العرس قبل أن ترتفع روحه عاليًا ما دون السحاب بقليل.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.