3

:: هؤلاء يسكنوني ::

   
 

التاريخ : 03/05/2011

الكاتب : خيري حمدان   عدد القراءات : 1233

 


 

 

حشد كبير من الأسماء والشخصيات قررت أن تسكن رأسي، جميعهم رفضوا مغادرتها، باتوا يشاركونني طعام الإفطار والغداء والعشاء، قفزوا إلى أحلامي ومسلسلات الهلوسة التي أتقنها كلّما وجدت القلم بين يدي. جميعهم دون استثناء ولأسباب أعرفها جيدًا - مع أني أظهر جهلي لها- قرروا احتلال حيز دماغي، كانوا فوق كلّ هذا يصرّون على أن أدلي بشكري لهم لحضورهم الدائم ولمشاركتهم وعيي ولاوعيي.   

صباح الخير يا قوافل النساء التي رفضت تركي وشأني لحظة واحدة من الزمن، أثقلت عليّ بحضورها الأنثويّ، لم تترك رجولتي وشأنها، امتصت رحيقها عند الصباح قبل أن أفتح عيني لأشتمّ رائحة القهوة السمراء تعبر مجسّاتي.

صباح الخير يا قوافل النساء!

مساء الخير لجميع الذين تجاوزا حدود الوعي وانتقلوا إلى القلب بحثًا عن الدفء. لا أملك طردهم فهم يشاركوني نهاري، مسائي، كل دقيقة من كياني وحضوري. وجوه مألوفة محبوبة، لا أقدر على ممارسة الحياة دون التواصل معها وتسليم ذاتي لها.

لن أحاول طرد أي منهم، ربما أكتفي بدعوتهم بين الحين والآخر لمشاركتي سيجارة، ((ليس بالضرورة أن أكون مدخنًا لتحقيق هذه الغاية – التدخين حالة انعتاق الرئتين من وهم الواقع))، أو ربما دعوتهم البقاء على مائدة الإفطار وإطفاء السجائر في فناجين القهوة الفارغة كما الحضاريون المتمرسون أصول السأم وتذوق رعونة الحياة. اتخذت الخيانة هي الأخرى مكانتها في العمق الأسموزي، لم أجرؤ على النظر إلى عينيها ((من قال بأن الخيانة مفهوم مؤنث خارج حدود اللغة!))، خيانة بلون الغاب خضراء كما البحر في حالة الذهول، بعد تراجع الموج وقذف الأعشاب لتحتفل فوق الشاطئ مستفردة بقطرات الماء والزبد.

قالت لي: أتعلم بأن البحر قد تعب من كثرة الغرقى، السفن الصاعدة الهابطة في رحمه غبية ساذجة، تظن بأنّها قادرة على سلخ قشرة الماء عن أصل البحر! الملاحون يرحلون عن ديارهم، لا يحلمون أبدًا، الملاح الحالم هو الميت، ذاك الذي غدره البحر، تخلى عنه، حشا بطنه بالمياه المالحة، قدمه طعامًا فاخرًا لسمكة عابرة، أو قذفه سَئمًا إلى الشاطئ.

مثل هؤلاء يسكنوني ليل نهار، أضف إليهم المتنبي بكبريائه وابن خلدون المتفكر دومًا بأصل المجتمع. أنا مسكون يا صديقي بحوار لا ينتهي جاء صدفة على لسان دوستويفسكي، بقي يحاصرني، يقلقني. "من هو الأكثر ذنبًا تجاه السكين - القاتل أم القتيل؟" أنا مسكون برحلات المستكشفين الذين غاصوا في أعماقي، أتظن بأنهم استشاروني ليقيموا فيّ؟ لا.. لأن أبواب روحي مشرعة، أدخل بالله عليك لا تتردد يارجل، ياامرأة، يافتى يابْني – ابنتي، حفيدتي - حفيدي. تعالوا وَضْحَ النهار، أدخلوا، لا تخشوا الرياح التي تسمعون صفيرها القادم من أعماقي، إنه رجع الهوى.

  

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 2

.

06-05-2011 02:3

خيري حمدان

الأديبة العزيزة سوزان
قراءتك مقرونة بعبق لا يبور
أشكر حضور قلمك الذي يحمل دائمًا سحرًا خاصًا يمتدّ إلى ما بعد النصّ
مودتي


.

04-05-2011 01:5

سوزان

جميلة جداً هذه المصالحة الصادقة والواضحة مع الذات برغم رحلات المستكشفين العابثة...

بوركت


 

   
 

.