3

:: الأبيات تخرج من بيوتها في أبوظبي – هنري زغيب ضيف ::

   
 

التاريخ : 25/05/2012

الكاتب : جماليا   عدد القراءات : 2239

 


 

 

في أمسيةٍ شعرية ذات نكهةٍ خاصة أقامها "بيت الشعر" مساء الثلاثاء 22 أيار الجاري، استمتع محبّو الشعر مع ضيف الإمارات: الشاعر اللبناني هنري زغيب في قراءاتٍ من قصائده الشعرية في الحب والجمال وفي قراءاتٍ أخرى لقصائد له مختلفة من حيث فلسفة المبنى وتقنية الإلقاء..

 

 

حضر الأمسية جمهور كثيف من المثقفين والأدباء والكتاب والصحفيين من المواطنين الإماراتيين ومن العرب المقيمين في دولة الإمارات غصّت بهم القاعة بشكل لافت. وكان في مقدمة الحضور الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، رئيس الهيئة الإدارية لبيت الشعر.

افتتح الأمسية مقدّماً الشاعرَ زغيب الدكتور جوزف الحلو معرّفاً الحضور بشخصية الضيف وتاريخه الأدبي والإعلامي وبمكانته الخاصة في الساحة الأدبية اللبنانية والعربية، مستعرضاً الخصائص المميزة لشخصية زغيب في الحضور المتنوع المجالات والتي يأتي الشعر على رأسها، ممهداً للخصوصية المتمثلة بالقصائد المتحركة، التي شغلت الجزء الثاني من هذه الأمسية.

في تعريفه وصف الدكتور حلو شعر هنري زغيب بأنه "مثال للحب وعشق الحياة" ووصف زغيب بأنه شاعرٌ للجمال في القصيدة بما يمتلكه من مخزونٍ كبيرٍ من العاطفة. كما تحدّث عن انجازاته الإبداعية مستعرضاً عناوين إصداراته من الدواوين والمؤلفات النثرية والإصدارات وكذلك المناصب الأدبية والإعلامية والأكاديمية التي شغلها ومازال على الساحات اللبنانية والعربية والعالمية وعلى الأخص مكانته في عالم جبران.

في قصائده الثلاث التي ألقاها في الجزء الأول استمتع الجمهور بشاعرية زغيب التي تسبح فيها عباراته وأبياتُ قصائده في بحرٍ من الجمال آياتٍ للحبّ والحنين.. جاءت في مقدمتها قصيدة "الزمن الآخر" من ديوانه الجميل "على رمال الشاطئ الممنوع" الصادر سنة 2011 وفي مقدمته: "قضيتُ ستين سنةً من عمري أبحثُ عن "أنا"ي".  والديوان من خمسة أقسام، كل عناوينها في "أنا" الشاعر وهي: أنا والزمن الهارب، أنا والآخر، أنا والغربة، أنا والمكان، وأنا والشعر. ومن القسم الأول اختار زغيب قصيدة "الزمن الآخر" ومنها:

أريدُ وقتاً خارج الزمانْ

أريد ساعاتٍ بلا دقائقْ

تختصرُ الزمان في دقائقْ

تُقرِّبُ الآن إلى الـ ما بعدْ

أريدُني أستبقُ اللحظةَ

أستعيرْ

- من ومضةِ الآتي -

لي عالماً لا يعرف الجمود...

 

ثم تلاها من الديوان نفسه بقصيدة "بيروت الروح الملكية" التي وضع فيها بيروتَ، عبر رؤيةٍ فلسفية جعلَت بيروت في قمة التاريخ صبيّةً خالدةً تشيخُ العصورُ دونها في عتمة النسيان. تعرض هذه القصيدة الجميلة بلسان بيروت نفسها مكوّنات بيروتَ انطلاقاً من العناصر الأربعة: الماء، النار، الهواء، التراب، وجميعها تتحاضن معها:

هذي أنا بيروتُ تَحضُنُني وأَحضُنُها العناصِرْ

وأَعيشُ...

أربعةُ العناصر جُمِّعَت بي منذ كانت في تَكَوُّنِها أَواصِرْ

وأنا اختصرتُ وجوهها من يوم كاغت طفلةً

حتى هُداها اليوم في فمِها المعاصرْ

لم يطْغَ في زمني اغترابْ

بيروتُ سيّدة الرياحِ أنا

وسيّدة المياهِ... النارِ...

سيّدةُ الترابْ

تتصارع الدنيا على أرضي وتنسحق الظُّلامَه

وأظلُّ أرفلُ حُرّةً مرفوعة التاج المرصّع بالكرامه !

وتكملُ القصيدةَ شرح مكوناتِ بيروت، سيدة الرياح وسيدة المياه الناصعة وسيدة النار التي "تدثرت بها الأساطير السعيدة" وسيدة التراب "الرّيِّق بمواسم الحب الكبير" والتربة التي "غذّاها المجدُ شرفاً" وطلعت منه "الرجال مع السنابل"

لبيروت هنري زغيب صفّق الجمهور واستعاد بعض مقاطعها وهو يردّد في قلبه "ستظلّ بيروت مليكةَ ألق الربيع".

خاتمةُ الجزء الأول من الأمسية كانت قصيدته "علبة التلوين" التي تحدّث فيها عن طفولته بألوانها، وعن رؤيته الحياة عبر ألوان الطبيعة كما تمثلها علبة أقلام التلوين، تخطّ مساحاتها، ترقّمُ مكوّناتها رابطةً شخصية كل قلم بقدرته التمثيلية يدخل عبرها النفوس ويدغدغ الأحلام ويبني بيوتاً من الحنين وساحاتٍ للحبّ وفضاءاتٍ للأمنيات وأسفاراً للأمل..

كانت علبة هنري زغيب التلوينية وسائل لا حدود لها بين أناملنا نطلب منها فتستجيب.. "يطيعني اللون كما أريد" نرسم رغباتنا، نبحر في عالمها، فنرى ما نتوق إلى رؤيته "أرى إليها نجمتي البعيدة".. تتحرك رسومنا أمامنا "تحرّكت من حُلُمي بشوق سكناها.. واقتربت إليّ في سناها".. فيلتهب القلب حنيناً ورضى "جعلتُ من ذاتي أرى الدنيا بعَيْنَي نعمتي"... "وباركتني بالحياة نجمتي".

بهذه القصيدة انتهى الجزء الأول من الأمسية، ليبدأ الثاني الذي وعدنا به هنري زغيب، وقد سمع به أو شاهده بعضٌ من الحضور في بيروت. تجربةٌ فريدةٌ جديدة في قراءة الشعر وتحليل تراكيبه ومكوّناته ومفاتيحه عبر عرضٍ إلكتروني على شاشة تتراقص فيها مفردات الأبيات الشعرية "خارجةً من بيوتها" بدءاً بالكلمات الأساس وعناصره البنيوية التي بنيت عليها القصيدة، وهي ثنائيات من كتابه "ربيع الصيف الهندي" الذي افتتحه الشاعر بهذا الإهداء ذي الخصوصية: "كيف؟! وهل أُهديكِ ما هو منكِ؟".. وحكاية عنوان الكتاب منبثقة من خصوصية الصيف الهندي الذي سحبه الشاعر إلى خانة الربيع الدائم فأنقذه وتمّ بذلك إطلاق الكتاب هديةً لا لحبيبته فحسب وإنما لجمهوره الذي ساح مع جولات الأبيات الخارجة من بيوتها بمداميكها وأعمدتها وأقواسها مشكلةً هيكل القصيدة يثبتها عمودها الفقري فما تلبث عناصر التوليف والتزيين أن تتسابق بسلاسة السعيد الفخور فتكمل بنيةَ البيت فصرحَ القصيدة.

"ربيع الصيف الهندي" كتابٌ من 112 صفحة مرفقٌ بقرص مرئيٍّ مدمجٍ يتابع القارىء فيه عرضاً فنّيّاً لأسس القصيدة، فالأبياتِ كاملةً مع خلفياتٍ من لوحاتٍ وصور، وفي الفواصل مقاطع موسيقى كلاسيكية لمقطوعة "الربيع" من رائعة فيردي "الفصول الأربعة"، ويرافق ذلك صوت الشاعر يقرأ أبيات ثنائياته كلمةً كلمة.

موضوع قصائد الكتاب: الحبُّ والجمالُ ومشاعر الحبيبين. يعرّف الكتاب بـ"هذا الربيع.." المنتمي إلى "مرحلة فاصلة من عمري" إذ دخل قلبَهُ حبٌّ في الستين من العمر:

على مشــــــــــارِفِها،  السِتُّـــــون، أحـْمـلنــي      / إِلـى بقِــــيَّــــة عُـمـْـــــــرٍ  يَحْــــذَرُ الْــــمِـــــــزَقـــــا/// أَذوقُ نُضْجـــــي،  ويا خَوفي إذا خَطَأً / خطَوتُ قـــــولاً  فَجــــاءَت خَطْوتي نَزَقـا

استمتع الجمهور بالطريقة الفنية الجديدة لقراءة الشعر إلكترونياً وإظهار مكوناته التي بني عليها. وعقب انتهاء الجزء الثاني فتح مقدّم الأمسية باب توجيه الأسئلة للشاعر، فتتالت الأسئلة المطروحة، وأجاب عليها هنري زغيب حول تقنية "الأبيات تخرج من بيوتها" والتي كرّر معتبراً إياها "محاولة لنقل مفهوم الشعر من المقروء إلى المرئي، مواكبة للتكنولوجيا وإخراجاً للقصيدة من جمودها، في إطار فني راق يشرك حواس جديدة في متعة قراءة الشعر".

وكانت بالفعل أمسية مميزة لشاعر مميز.

 

هنري زغيب من مواليد 1948، يحمل الماجستير في الأدب العربي عام 1970 من الجامعة اللبنانية. درَّس الأدب العربي والنقد الأدبي، وكتب في الصحافة وعمِلَ في الإعلام المسموع والمرئي منذ بداية حياته المهنية في الإذاعات والتلفزيونات اللبنانية الرسمية والخاصة، وأدار عشرات البرامج الفنية والأدبية والحلقات واللقاءات، ونظّم عدداً كبيراً من المهرجانات الأدبية والاحتفالات الثقافية،  وترأس لجاناً أكاديمية وفنية وأدبية ولجان تحريرٍ لعدد من الصحف والمجلات المرموقة. له عديدٌ من الدوريات الأسبوعية والشهرية في لبنان وخارجه، بإطلالاتٍ ينتظرها جمهوره عبر الأثيرين المسموع والمرئي.

أحدث ما صدر له: "ربيع الصيف الهندي" (شعر)، "على رمال الشاطء الممنوع" (شعر)، "لُغات اللغة – نُظُم الشعر والنثر بين الأُصول والإبداع"، "نقطة على الحرف" (مقالات نقدية)، "جبران خليل جبران – شواهد الناس والأمكنة" (جديد من حياة جبران يُنشَر للمرة الأولى).

لشاعرنا باعٌ طويلٌ في الترجمة وحضورٌ عالميّ في لجانٍ عديدة، في طليعتها الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية، الذي يرأس فرعه الخاص بلبنان والشرق الأوسط.

لهنري زغيب حضورٌ دائمٌ متألق في موقع "جماليا" منذ انطلاقه اليوم الأول في 22 حزيران 2006. وينشر الموقع كتابات الشاعر مقالاتٍ وخواطرَ وقصائد إضافة إلى تغطياتٍ جزئية لأخبار فعالياته الثقافية في لبنان والدول العربية وفي بلدان العالم.

محبّو كتابات شاعرنا المبدع يمكنهم متابعتها في موقع "جماليا"، وزيارة موقعه الفرعي "منصة هنري زغيب" الذي يحتفظ بأرشيف كتاباته منذ عام 2006.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.