الجزء الأول

 

 .......

موضوع مسرحيتنا "دواليب الهوا" صورة واقعية من حياة مجتمع قرية احتكر إقطاعيٌّ فيها زراعة الزيتون وسيطر على بساتينها الخصبة تاركاً لأهلها الفقراء حقول القصب التي تنحصر الحاجة إلى غلاله باستخدامات محدودة لا تزيد عن صناعة السلال وإقامة السياج حول البساتين. هذا الواقع الذي شكـَّل فيه أهالي القرى التي سيطر عليها الإقطاعيون حشودَ المضطهدين والمظلومين كان مادة للإبداع الأدبي والفني فـي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت الإقطاعية طيلة قرون الاحتلال العثماني قمعية وإرهابية لدرجة كـُمَّتْ معها أفواه الناس وكان مصير من تـُسوِّل له نفسـُه الاحتجاجَ على سوء المعاملة أو الطغيان السَّجْنَ والتعذيب وربما الموت.

تأتي هذه المسرحية بعد أربع مسرحيات متميزة استعرض الرحابنة من خلالها فلسفتهم الحياتية وقدراتهم الإبداعية واستشفـُّوا مدى تفاعل جمهورهم مع الشكل والمضمون من خلال جدلية المسرح والموسيقا. لم يكن المسرح اللبناني قد تكون بعد كما أنه لم تكن فـي لبنان ولا فـي سوريا موسيقا صرفة، ربما للبـَون الثقافـي الشاسع الذي كان يفصل البيئة الشرقية عن الغرب. وكان على الرحبانيَّين، كرائدين، التوفيق بين حاجتين لاتقل إحداهما أهمية عن الثانية. وفـي حين برز الاهتمام فـي بعض الأعمال بالنص المسرحي والتمثيل على حساب الموسيقا والغناء فقد كان العكس فـي أعمال أخرى حين بهُتَ النصُّ، بالمفهوم المسرحي الصرف، لحساب الحصة الغنائية وموسيقاها.

 .......

النص الغنائي الرحباني له من الثراء ما يفوق أي نص مماثل وكلما اتسعت رقعته ازدادت قدرته التعبيرية.. وهو بقدر بساطته ذكيٌ فـي الوصول إلى أعمق ثنايا المشاعر..

أهالي الضيع الفقيرة الرازحة تحت سيطرة الإقطاعية لا يجدون عن الالتصاق بالطبيعة بديلاً.. وبأبسط الإمكانيات قاوموا الفقر والجوع والتسلط والهيمنة وواجهوا سالبي تعبهم. ولم يمُتْ فـي نفوسهم حُبُّ الحرية والعدالة وعشقُ الطبيعة والأرض وخيرها. ولكونهم أصحاب نفوس طيبة تراهم يقدِّرون كل شيء أنبتته الأرض. هاهم فـي أدب الرحبانيـَّين يتغزلون بـ الطيُّون والحبق والمنتور وبشجر التوت والشيح والوزَّال والصفصاف وأنواع الزهور والفاكهة.. لقد كان الرحابنة منذ بداياتهم أفضل من عبَّر عن حرص البشر الشديد على بيئتهم وأرضهم وعلى تعلـُّقهم بهما.. من هنا جاءت التوأمة الجمالية بين الطبيعة والغناء عنصراً ذا خصوصية فـي عالم الإبداع الرحباني.

تبدأ حلا أغنيتها بموّال:

 أوف       أوف         أووووووف         أوف

يـــاشجـرِة الـ ْعَ دِّنــي فيَـِـَّــــاتها علـِـْيــــــــــــو

طــابـتْ وْعَزّ الـْجنــي وِاصْحـــــابها غـِـلـْيــــو

يــــا بنِتْ يا مْوَلـْدنــِــة كــْـروم اللـِّكـُــنْ حـِليــو

بلـْكي بـْييجي هالسِّنــة نـــاطـــور الـِبـْـنـَـيـَّـــــة

 وْمااحْــلــى الــوَمـــا بـِالـوَمــــا وْمااحـْـــلـــى الـْعـِــزوبـــــيـَّــة

هذا الموال القصير المأخوذ من ذاكرة التراث الشعبي لا يتعدى كونه مقدمة عفوية لأغنية سريعة أريـْدَ بها تصويرُ حالة الفرح والتفاؤل الذي بعثه فـي نفوس الأهالي قرار حلا الجريء بيعَ القصب للسمسار تحدياً لفهد المتربِّص بهم وكأنهم يؤكدون تضامنهم ووقوفهم خلف حلا وعدم انصياعهم لضغوط فهد ورفضهم شروطه.. هاهم مبتهجون ينتظرون السِّمسار لكي يعقدوا معه صفقة التحدي، يشكلون حلقة الدبكة السريعة وهاهي فـَتاتـُهم الحلوة تغني بأعلى صوتها: "عـِنـِّي يا مِنـْجَيْرة عـِنـِّي".. والمنجيرة هي واحدة من الآلات الموسيقية الشرقية غير المعدنية التي يعزف عليها بالنفخ وهي مصنوعة غالباً من القصب أو أنواع محددة من الخشب وصوتها يشبه الأنين فـي بعضه ويثير المشاعر الحزينة، لذا تخاطبها حلا "عِنـِّي يا مِنـْجَيْرة" لتشاركها حزنها العميق.

.......

تمهد الأوركسترا للأغنية مسلـِّمة قائد الدبكة لحنها الحيوي السريع ومؤلفه فيلمون وهبي:

حلا:          وعـِنـِّي يا مِنـْجَيْـرة عـِنـِّي      العـَـنـِّة بـِضَهــْـر العــَنـِّــة

والـ ْحَـبَّيـْتـو سـَبْع سْـنيــنْ   بـْيِــِمْـرُقْ مابْـيِسْـألْ عَـنـِّي

الجوقة وحلا بالتناوب:       عـِنـِّي يا مِنـْجَيْرة عـِنـِّي... (3)

 

يعود الأهالي إلى منازلهم مطأطئي الرؤوس وعلامات الخيبة على وجوههم بينما تبقى حلا لوحدها ترقب الغروب والحيرة ُ تكاد تنال من صوابها والحزن يغمر قلبها..

أما الموسيقا فهي رفيقة المشاهد المخلصة.. نوتات خافتة وهدوء يصور الشمس تودع القرية الحزينة و (حلا) تتساءل محتارة.. هل يمكن أن يكون جمالها ونضارة وجهها سبب مشكلتهم ومعاناتهم !! إذنْ ياريت..

يارَيــــــتْ لا إسمي حــلا ولانـِّــي حـلا (2)

ولا كـــان فـي عـِنــْدي شْـوَيـِّـــة هالـْحلا

ياهـَـمّ إسـْـمــي وْهـَـمّ هالحــــالِة مـَعـــي

كيــــــف ما بـَعـْمل مـْتـَعَّبـْـني الحـــــــلا

.......

وبانتظار الانتقال إلى مرحلة تنفيذ خطة حلا المتعاونة مع البياع والمستندة إلى موافقة وتأييد أهالي الحارة يقدم لنا المخرج مشهد استراحة فكاهية أمام الأهالي يتراشق فيه أبو زينة مع زوجته، وبتدخِّل زينة، عبارات المداعَبة إشارة إلى حالة الزُّهو التي وصل إليها أبو زينة بفضل كأس من الخمر اللذيذ تجرَّعَه لتوِّه فانطلق يتفاخر بشبابه بعد جدل مع زوجته، سعـُّود التي يحلو له أن يصفها بالـْ (ختيارة)

أبوزينة:                ميــن قـال ميـــــــن   أبــو زَيـْنـِة شــــاب

الرجال فـي الساحة:   شــو القـِصَّة يا بـو زيـْنة؟

أبوزينة:                أنا أرْشَق من الدِّيب    أبو زينة ما بـِيشيب

أبو زينة الذي يحاول التظاهر بالشباب خاصة عندما تفعل الخمرة فعلها فـي رأسه يتباهى برشاقته أمام زوجته ويبدأ الإثنان رقصة جميلة يَنشدُّ إليها الجميع محولينها إلى دبكة حيوية تـُغنـِّي (حـلا) على لحنها واحدة من أجمل الأغاني وأكثرها حركية، تعبيراً عن حالة الفرح عند الجميع وهم يجمعون قصبَهم الغالي على قلوبهم حاملينه إلى ورشة صنع دواليب الهوا.. وكأن الأوركسترا تقوم بتوليف آذان وأذواق المشاهدين للانتقال المرن إلى الدبكة.

الدبكة تضجُّ حيويةً وتتلون بالتـَّمايل والركوع والامتداد والشموخ وتتناغم بانسجام أخـَّاذ خبطاتُ الأقدام مع إيقاعات الأوركسترا وتدحرج كلماتِ الأغنية الجميلة خالقة جواً من الحماس والجاذبية:

حلا:          يا خـَيـل باللــَّـيــل اشـْــتـدِّي      وْيا أرض سـاعـيـنا وْهـَـدِّي

وانْ كــان مافـيــكي تـْهـَـدِّي

انـْهـَـــــدِّي            انـْهـَـــــدِّي  انـْهـَـــــدِّي     انـْهـَـــــدِّي

الفرقة تعيد الكوبلة:                يا خـَيل باللـَّيل اشتدِّي..

.......

 البياع الذي ساقته الصدفة إلى الساحة التي مثـَّل الحاجةَ إليه أهلُ حارتها بدلاً من أطفالها تجاوب مع تلك الحاجة بأريحية وسخاء وقدم خبرته بنـُبْل وهو يعلم كم من السعادة سيجلب هذا السخاء إلى أولئك الناس الطيبين.. أما وقد تعلـَّمت الفتيات كيفية صنع الدواليب والتفنـُّن بأوراقها الملونة بما يضمن رضى الأولاد وسعادتهم فقد انتهت مهمة البياع ولا بد له من حمل متاعه والرحيل مطمئناً، ولدى مغادرته يدور الحوار المنغـَّم التالي فـي جـَوِّ يكتنفه الشجن:

حلا بحزن:    لـْوَيْــنْ يا بــيـَّــاعْ

البياع :        بـَــــــــــدِّي روح

حلا:          كيــفْ يـا بـيـَّـــاعْ

البياع:        لازمْ روح

              قـَلـْبي اشـْتاق لـْغِربـة الطـِّرْقـات اشْـتـَقـْت لـْدِني شْبابيكـْها جْـديـدة

             اشْـتـَقـْت أوْقــَفْ هَيْـك بالسَّـاحات وْ أحْمُـل دَواليـب الهوا بْإيـــــدي

.......

أما حلا فالأمر عندها مختلف.. لقد غيرها ظهور البياع وجعلها تنظر إلى الحياة بمنظار آخر يتكشف فيه بهاؤها ورِقـَّتها وابتسامتها وجعلـَها تلبس الفساتين الحلوة وتتباهى بالغنج والدلال.. إنه الحب يابيـَّــاع !!

للحب قدرة سحرية على التغيير. هكذا يصوره الأخوان رحباني. فمرهج القلاعي فـي مسرحية "موسم العز" جعله الحب الذي نما فـي قلبه يتنازل عن حقه بنجلا أمام رغبته فـي تحقيق سعادتها حتى ولو لم تكن معه. فـي مسرحية "الليل والقنديل" سُحِر هولو بصوت منتورة وفتن بطيبتها وبرقتها مما جعله يعيد إليها (كيس الغلة) ويحمل (القنديل الكبير) بيديه إلى قمة (ضهر الشير) على الرغم مما يسببه ذلك من ضرر له (حسب ما كان يعتقد).

ولكن البياع الذي يخفق قلبه للحب لا يريد لهذا الخفـْق أن يقيـِّدَه وهو يعترف لها بذلك (جَرَّبـِتْ أهْرُبْ.. قبـل ما أعْرف.. ويصير بَدِّي حِبِّـكْ وْإبْقى.. وْ ما عودْ عَ دْروب الـْفـَرَح إشْقى).

أما (حلا) فيطالبها حبُّها الكبير البريء الصادق للبياع الرقيق الكريم بتكرار المحاولة عن طريق أغنية تأتيه فيها عارضة رفقته على دروبه وأينما تأخذه الريح. تكاد (حلا) هنا تستسلم لحبها فتترك أهل الحارة بهمومهم ومشاكلهم وهي التي كانت حتى اللحظة تكرِّس نفسها وقلبها وعقلها لهواجس أهلها وحياتهم، ولكنها جدلية الضعف البشري والقوة الإنسانية!!

هذه الجدلية، التي تكررت صورها عند شخصيات مسرحيتنا، نراها فـي أدب الروائي السوري الكبير (حنا مينه) وعند شخصياته والذي وصفه الأديب السوري الراحل سعيد حورانية بخير من عرف "ماهية الضعف البشري والقوة الإنسانية". ويمتليء الأدب الرحباني بصور ومواقف تؤكد الصراع الداخلي فـي شخصياتنا المتأرجحة فـي فضاءات العام والخاص، والشكل والمضمون، والذاتي والموضوعي.

ويأبى البياع إلا أن تكون آخر كلمات الوداع مفعمة بروح التفاؤل والثقة بالمستقبل (لا بدّ ما أرْجَعْ).. و (من بعد ما تـْكون الدِّني كـِلاّ سـَوا طارتْ عَلى سْطوحا دَواليب الهوا) !

تمهد الأوركسترا للأغنية الهادئة المشوبة بحزن ورجاء تؤديها صباح لوحدها بمصاحبة لحنية من الوتريات غاية فـي العذوبة:

حلا:                        / سَـفـِّرْني مَعـَـكْ علىَ هـالطـِّرْقـــات

سـَـفــِّـرْني مَعـَـكْ بـِ هالـْسَّـــاحـــــات

وينْ ما الـرِّيح بـْـتــاخـْدَكْ      وبـْتـِشْـلـَحَـكْ وبـْـتـِـزْرَعـَـــكْ

سَـفــِّرْني مَعـَـكْ / (2)

.......

 ليس من قبيل الصدفة أن يختار المؤلف هذه اللعبة البسيطة، ذات القرص الزوبعي الذي يدور باتجاه واحد، مادة تـَمَحـْورَ كل العمل الدرامي شكلاً وجوهراً حوله.. الإنسان بطبيعته يعشق الدوران ويرتاح له.. حركة الأرض الدورانية حول نفسها التي تعطينا الإحساس بالزمن فنبرمج نهارنا وليلنا على أساسها وحركة الأرض حول الشمس التي تبرمج لنا حياتنا وسنواتنا وفصولها ومواسمها ومواعيد أفراحنا وطقوس تقاليدنا وقناعاتنا.. وبالحركة الدورانية ننتقل من مكان إلى مكان فنشعر بأن العالمُ مـُلـْكـَنا.. الأطفال يسعدون عندما يمسكهم الكبار من أيديهم ويدورون بهم فـي نفس المكان لأنهم يشعرون بالتحرر من الجاذبية وبالطيران فـي مدى واسع.. ولذلك يحب الأطفال، والكبار أحياناً، الألعاب من هذا النوع فـي مدن الملاهي والألعاب البسيطة المشابهة.

وكما تدور الإليكترونات حول نواة المادة فتكـُون الذرة ونكـُون وتكون الأرض، تدور الأجرام فـي الكون الفسيح حول نفسها وحول بعضها بإيقاعات كونية أخاَّذة تسحر الألباب ويتسع بمداها البعيد العقلُ البشري الطامح دوماً إلى معرفة المجهول وقهر الألغاز وتفسير العالم بقوة أساسُها بسيط كبساطة دولاب الهوا، وهو الإدراك المادي للأشياء والوعي. 

 

تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة