الجزء الأول

 

فـي هذه المسرحية الكوميدية يأخذنا الأخوان رحباني إلى بيئة افتراضية عنصرا المكان فيها هما قرية بسيطة ومدينة منظـَّمة يقطنها الحاكم وعنصرا البشر هما الأهالي البسطاء وموظفو القصر المحيطون بملك المدينة التخيلية (سيلينا) أما محورها فهو سلوك الرِّياء والكذب الذي اعتاد عليه أفراد الحاشية وأصحاب المصالح والمأزق الذي أوصلهم إليه ظهورُ الفتاة الصادقة التي رفضت الاشتراك معهم فـي خداع الملك الطيب (داجور).

والمسرحية، على بساطة نـَصِّها ومادتها، كوميدية الطابع اجتماعية هادفة وناقدة وهي متنوعة المشاهد والأدوات، يلعب فيها دور (الملك داجور) الفنان نصري شمس الدين ودور (الفتاة هالة) السيدة فيروز وتضم عدداً كبيراً من الفنانين الكبار مثل إيلي شويري (والد هالة) وهدى حداد وسهام شماس وجورجيت صايغ وملحم بركات ومحمد مرعي بالإضافة إلى وليم حسواني وجوزيف ناصيف والفرقة الشعبية اللبنانية، وهي من تأليف وتلحين الأخوين عاصي ومنصور وإخراج صبري الشريف.

قـُدمت المسرحية على خشبة قصر البيكاديللي فـي بيروت فـي ربيع 1967 ثم صيفاً ضمن مهرجانات معرض دمشق الدولي وأعيد عرضُها فـي مهرجانات الأرز فـي خريف نفس العام.

يبدأ الفصل الأول بمقدمة موسيقية تأخذنا جُمَلـُها الأولى إلى عالم الخيال فـي رحلة ظريفة تداعب جانب الطفولة فـي نفوسنا فنقبل دونما اعتراض الشخوص التي تقترب من مرمى نظرنا وهو ساحة المدينة الافتراضية (سيلينا) التي ستستقبل بعد حين المحتفلين بمهرجان التنكـُّر الذي اعتاد الأهالي إحياءه فـي عيد (الوجه الثاني).

مع تدرُّج الإضاءة المُرافق لدخول إحدى الفتيات بقنديل بيمينها وقناع بيسارها يظهر القادمون وقد غطى كل واحد وجهَه بقناع اختاره لإخفاء شخصيته الحقيقية والاستمتاع بحرية الكلام والتصرف فـي عيد الوجه الثاني دون قلق.

الفتاة:

سـَهـْرِيـِّـــة فـوق سهـْرِيـــِّة           أنــــا إسـْمــي سـَـهـْرِيـِّــــة

........ 

فـي المشهد التالي تصل إلى الساحة بائعة الأقنعة يرافقها والدها المترنـَّح وقنينته بيمينه، أملاً ببيع هذه الأقنعة للمحتفلين بـ (عيد الوجّ التـَّاني).

بائعة الأقنعة (هالة) تحمل بين خصرها وزندها الأيسر طـَبـْلـَة تدقُّ عليها تـَرويجاً لأقنعتها التي وضعت أحدها على وجهها بينما ربطت الباقي بخيط وألقتها على كتفها الأيمن عابرة بها طريقاً طويلة من قرية صغيرة اسـْمُها (درج اللوز)، وراح الأب (هبّ الريح) المتثاقل الخطوات يغني سروراً ومناداة للناس كي يقتربوا من هالة ويشتروا الأوجه المستعارة:

هبّ الريح:

جـايـيـْن عـَلى ساحِة سيليـنا  جـايـيــــــن والعـِيْــد بـْسيليـنا

........ 

 تقدم المجموعة أغنية لذيذة على إيقاع صوت مـِقصـَّات الخياطين وحركاتهم وهم منهمكون بتحضير القماش والأكسسوارات والزِّينة. لحن الأغنية وكلماتها هدية من الأخوين رحباني إلى العاملين فـي حقل الخياطة، وهذه ليست المرة الأولى التي يخصُّ فيها السَّخاء الرحباني مهنة معينة بالتفاتة ذكية يدخلان عبرها إلى وسط جديد من الناس، ففـي أية مسرحية قبل أو بعد "هالة والملك" أغنية أو أكثر من هذا القبيل. وربما أتى هذا المبدأ من عملاق الموسيقا المصرية سيد درويش الذي ألـَّف ولحـَّن وغنـَّى لعشرات المهن والعاملين فيها.

والإبداع الرائع عند عاصي ومنصور تراه ببراعة لا مثيل لها فـي الكلمات وفـي انتقاء المقام واللحن وكذلك فـي اللباس والإيحاءات والحركات وفـي الديكور وفـي المؤثرات الضوئية، لدرجة أنهما يوحيان وكأنهما عمِلا فـي تلك المهنة وعاشرا العاملين فيها وعرِفا أسرارها والأبعاد النفسية لمفرداتها.

الخياطون والصاغة:

يـا مـْقـَصــَّات قـِصـِّي الـلـَّـون قـِصـِّي قـْمــاش الـْفـَـســاتـيــن

يـا مـْقـَصــَّات هـــَوْن وْهـَـون  صـَوْتـِكْ بـِـيـْـحـَـلـِّي الحـِلـْوِين

 ........ 

الأرجوحة التي حملت فـي أنشوطتها الأخيرة الوالد الضعيف إلى قصر الملك الفاخر وحياته المخملية أعادتها إلى الساحة الفتاة الطيبة البسيطة فـي حياتها والقوية فـي إرادتها وأعادت فيها أباها وقد ترقرقت عيناه بالدموع إعجاباً بابنته ومحبة.. وخجلاً مما فعله يقول:

هب الرِّيح:    سـَبـَقــِتــْـنـا الـْـغـَلـْـطـَة       سـَبـَقـِتــْنـا الـْـغـَلـْطـَـة

              الغـَلطة صارتْ أكـْبـَر مـِنـَّا             وْصـارِتْ أحـْـلـَـى مـِنـَّــا

اعتراف هبّ الريح بغلطته لن يغير فـي الأمر شيئاً. يمسح الرجل الدَّمع عن خديه ويخرج بينما تقترب جورية مودِّعة (الملكة هالة) آملة بأن تتذكرها وتتذكر فضلها على من كان أباها (ياللـِّي إسمو هبّ الريح) ولم يبق للفتاة الحزينة إلا (سهرية) التي أحبتها ودَعتها إلى غرفتها منذ الصباح:

هالة:             سـَهـْـرِيـِّة سـَهـْـرِيـِّة    خـِديـْنــي لـَعـِنـْــدِك

 .........

الملك:               حدا بـْيِرْفـُض إنـُّو يـْصير مَلـِك؟

الشحاد:              نـَعـَم

الملك:                مـِيـْن؟

الشحاد:              أنــا!

الملك:                إنـْت؟

الشحاد:              أنـا شحـَّـاد المديـنة بـِرْفـُض كـُون مَلـِك

الملك:                كيف؟

الشحاد:              أنـا هـَلـَّق شحـَّـاد

لـَكـِنْ بـِحـْلـَم.. بـِحـْلـَمْ صير غـَني.. بـِحـْلـَمْ صير مـُدير..

صيــر وَزِيــْـر.. صيــر مـُسـْـتــَشـــار

وْلـَـمـَّـا الـْحـِلـْم بـْيـِتـْوَهـَّجْ        بـِحـْلـَمْ صـِـيـــر مـَلـــِكْ..

بَسّ المـَلـِكْ

ما إلـُو مِسـْـتـَـقــْـبـَـــــــلْ         واقـِف عَ البــاب الأخـِيــرْ

عَ البـاب الـِمـْسـَكـَّـــــرْ  ما بـْيـِقـْـدُرْ يـِحـْـلـَمْ أكتـــرْ

لأنـُّو مـَلـِكْ

شـُو بَعـِدْ بـْيـِقــْدُر يـْصيـرْ؟

المـَلـِك ما عــاد يـِطـْـلــَعْ   مـا عــاد يـِقـْـدُر يـِتـْحـَرَّك

إذا تـْحـَرَّكْ بـْيـِنـْزَلْ !

 

تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة