الجزء الأول

 

الضوء مرآة الحقيقة وممحاة الخوف

_________________________

 

.......

موضوع المسرحية هو الضوء والظلمة ومكانتهما فـي حياة الناس والصراع بينهما متمثلاً بتناقض الشخصيات فـي الضيعة، التي يصنع أهلها قناديل متميزة يشتريها أهالي الجرد والسهل والمزارع يبددِّون بها عتمة الليل فتطول فترات عملهم وتمتـُّعِهم بالحياة اللذيذة والليالي التي يغيب فيها ضوء القمر.

وإذا كانت فكرة استخدام صناعة (قنديل الزيت المـُلوَّن) وسيلة لعرض فلسفة النور والظلمة بمفهومها الرحباني، أوحت بها الحياة فـي القرى الجبلية فـي أواسط القرن الماضي والتي اعتمدت على الشموع والقناديل والفوانيس البسيطة التقليدية لإنارة منازلهم، فإن (الليل والقنديل) نجحت فـي تحميل القنديل وضوئه البـُعد الفلسفـي المرتبط بحياة الناس وحبهم للخير والسلامة والطمأنينة والشفافية وللضوء تتزيـَّن تحته سهراتـُهم بالمحبة والحيوية والتفاؤل. ولتصوير التضاد تـَظهرُ الشخصيات الظلامية التي تقاتل فـي الليل وتكره من ينير عتمتـَه.

ومزدوجة النور والظلمة، عنصرَي البنية الكونية، لا يقلقها الموقف النفسي الذي يجعلنا نحب النهار لضوئه وننتظر انبلاج صباحه السعيد.. لأن الحياة العملية تتطلب نوراً نتلمـَّس بفضله الأشياء وأنفسنا والطريق ونقهر الخوف الذي تثيره العتمة التي تبعدنا عن الحقيقة. فـي الحياة الطبيعية يرتبط العمل لدى كافة الكائنات بالنهار ويـُترك الليل بعتمته إلى الراحة والنوم.

.......

بعد مقدمة موسيقية قصيرة تخرج منتورة (فيروز) من خيمتها لتضيء أحد القناديل المعلقة فـي عمود الخيمة تنكسر بفضـْله العتمة وتنتشر فـي فراغ الساحة أشعة ٌ لوَّنتـْها صفائحُ الزجاج الملون التي عشـَّقت جدران القنديل الجميل المتقن، وتغني:

منتورة:                       ضَــوِّي يــا هالقـــَنـْــديــــل

عَ بــْــيـــوت كـِــلّ النـَّــاس    عَ لـَـــيـْـــل كـِــلّ الــــنـــَّـــــاس

 .......

(هـَوْلـُو) كان حـَدثاً ثمَّ تحوَّل إلى حكاية فأصبح مصدر قلق الناس وخوفهم.. وهاهم يشكـِّكون فـي أن يسمح هذا الشخص المنبوذ لأهل الضيعة بإنارة الممرق والحد من تحركاته مع جماعته فـي الليل المظلم. ولكن منتورة لا تفقد الأمل.. فضـَّوء القنديل الكبير سيغلب هولو وسيشع نوره قاهراً الليل ورجال العتمة.

ويتساءل نصار عن السر وراء فكرة الضيعة وعزمها على تبديد عتمة المفرق بقنديل كبير، مبدياً تعجـُّبـَه.. فالعتمة هي العدوُّ القوي المتسلـِّط دائماً على الإنسان يكبـِّله ويثير خوفه وقلقه فهل ينتصر القنديل على العتمة؟

نصـَّار:                                 ضَيـْعتـْكـُنْ يا منتورة

شو تـْهـَيـَّاْ بـِبالا تـَ قالتْ لـَحالا      بــَـدِّي قاتلْ هالـْلـَّيْـل

هالضـَّــو الأسـْـوَد

هــالـْمـِـتـْجـَــمــَّـدْ      الـْجايي عَ مـْلاييـــن الـْخـَيْـل

وْ صارْلو مـلاييـــن السـَّنيــن

بـْيتـْسـَـلـْطــَنْ بـِالـْـوِدْيـــــــان       وْوين ماكــان

  وْبـِقـَـلـْب الإنســــــــان

 .......

أوركسترا المسرح الغنائي الرحباني ليست كالفرق الموسيقية العادية المصاحبة للأغاني الشرقية، وإن تنوَّعتْ آلاتها، ولا هي كالفرق المصاحبة للمسرح التقليدي غير الغنائي والذي تصاحبه الفرقة لأداء موسيقا تصويرية.. إن الموسيقا فـي المسرح الغنائي الرحباني هي العنصر الأساس لإخراج النص الملَحـَّن للمشاهدين، سواء كان هذا النص أغنية أم حواراً متعدِّدَ الأشكال.. وما تقدمه الأوركسترا الرحبانية فـي الفواصل بين المقاطع المتتالية ليس مجرَّدَ ملء فراغ يستأنف المغنـِّي بعده المقطع التالي وإنما هو مقطع من الأغنية لا يتجزَّاُ عنها وبه تزداد جمالاً وتكتمل.. إننا غالباً نجد أنفسنا أمام جـُمـَل تعبيرية وسيلة بعضها حنجرة المغني وإيحاءاته ووسيلة بعضها الآخر مكونات الفرقة الموسيقية التي تصل بقدرتها الفائقة إلى عقولنا وأحاسيسنا صوراً ومعانٍ وتخيـُّلات وأخباراً قد لا تفـي بغـَرَضها كلمات الأغنية.

فالموسيقا بين المقطعين لا يجوز أن تكون أقلَّ رومانسية وتأثيراً من الصورة التي توحي بها الكلمات، خاصة عندما يضيف الصوت الجميل والقدرة الخارقة لصاحبته آفاقاً أرحب للتخيـُّل.. فإذا كانت الصورة (اعـْملـِّي عنـْدك خـَيـْمة.. مـْن جـْوانح الغـَيـْمة.. بالحُبِّ مـْضوَّاية) فكيف ستكون الموسيقا يا ترى؟!

/ بُكـْرا مَــشــاويْــري         لـعـَنـْدك بـْ تـِحـِملـْني

وْ عنـَّكْ يا حبيــــــبي         ما حـَـدا بـْيـِسـْألـْـنــي / (2)

هـِـنـِّي عـَـوَّقـُــــــوني         بـِشـِغـْـلي وْنـَطـَّروني

وْقـَرَّبـِـتْ الـِحـْكــــاية         وْجــايـي أنا جـــــايي

جـــــــــــــــــــايــــي

 .......

وتمهد الأوركسترا لموَّال نصري التقليدي المؤلف من أربعة أشطر غزلية ينطلق بنهايته إلى أغنية سريعة ترافقها دبكة جميلة تؤديها فرقة من الفتيان والفتيات تـُردِّد فـي نفس الوقت لازمة الأغنية بجو من المرح والسعادة إعراباً عن الرضى وزوال الزعل بين الحبيبين:

نصري:

يا حلـْوة الـلـِّي شـَعـِرْهــا زِيـْنـِـة    وْلـَفـْتاتـْها بـْتجـْرحْ على الـْهـِينة

وْلمـِّنْ لـْبسـْتي هاكِ الـْفـِستــــــان   لـَيــْشْ بـَطـَّــلـْتـي تـْحــــاكينـــي

يـاامِّ الأساور يـاامِّ الأســــاور       والشـَّعرْ طايرْ والهـَوا طــايرْ

الفرقة:          

يـاامِّ الأساور يـاامِّ الأســــاور

 .......

تمتليء الأعمال المسرحية للأخوين رحباني بالعديد من الشخصيات التي تمَّ توظيفها لعرض الجوانب السلبية والشريرة فـي المجتمع والمناقضة لما يتحلـًى به من صفات المحبة والتعاون وروح الإلفة لدى النسبة العظمى من أفراده. وتأتي شخصية البطل السلبي على الدوام فـي إطار الموضوع أو مرادفة له بانسجام مع روح الدراما ووحدة نسيجها. ولا يقتصر عرض الحوارات والأحداث التي يقوم بها أصحاب هذه الأدوار على إبراز الجانب السلبي المقاوم للخير والمحبة أو الذي يخلق حالات الفتنة والنزاع ويؤجج الصراعات وغير ذلك وإنما يستخدم فـي عرض الجدليات والمتناقضات التي يكتسب المجتمع بتفاعله معها حيويته وأسباب تطوره. وانسجاماً مع مقولة (بـِضـِدِّها تتبيـَّنُ الأشياءُ) فإن تمييز الخير والمحبة والرضى والسلم والتعاون والمساواة والغـَيْريـِّة وفوائد كلِّ هذه فـي بناء مجتمع عادل معافى يسير فـي طريق التقدم يأتي عن طريق عرض الصراع والتناحر بين الخير والشر.. العدل والطـُّغيان.. الحرية والعبودية.. الحب والكراهية.. التسامح والحقد إلخ... ويتكرَّس فـي الأدب الرحباني مبدأ معالجة العفن بالملح، ونقصد هنا ملح الأرض النقي وملاحة الناس الأنقياء.. وإن تكلـَّـلت مثل تلك المعالجة بشيء من الطوباوية.

من هذا المنظار أخذ البعض على الأخوين رحباني نزوعهما إلى الابتعاد عن معــاقبة الأشـرار (فهد العابور فـي "دواليب الهـوا"، فضلو وعيد فـي "بيـَّاع الخـواتم" وأجهزة القمع فـي "الشـَّخص" و"يعيش يعيش" و"صح النوم" إلخ..) ونتساءل فيما إذا كانت نهاية ٌموجعة للشخصيات الشريرة، تقترحها وتكون أداتـَها الشخصياتُ التي اتـَّسمت طيلة مَشاهد العمل المسرحي بوداعتها وحسنها، ضدَّ ممثلي قوى الشر، ستضيف إلى العمل قيمة أو ستزيد من إعجاب المُشاهد وقناعته أو أنها تعكس رؤية واقعية!!.

.......

 هـَوْلـُو:                   يامنتورة     صـَوتـِكْ شو بـْيـَعـْملْ فيـِّي

بـْيـِأمرْني

بـْيسْحرْني            بـْيطـْربـْْني              مـِـدْري لـَوَيـْــن بـياخِدْنــي

ويخرج هـَوْلـُو بقلبه الكسير حائراً بين مشاعر الحب لمنتورة التي حمتـْه من غضب أهل ضيعتها وملـَكـَتْ قلبه برقتها وحنانها وعذوبة كلماتها وصوتها، من جهة، وطريقة حياته التي أصبح لها أسيراً فأبعدته عن الناس وعن المشاعر فصار عدوَّه الضوءُ وحليفـَه العتمة ومسكنـَه الكهوفُ..

وتبقى منتورة شاردة فـي حقيقة هـَوْلو وضعفه أمامها ومازالتْ تأمل بأن تتمكن من إعادته إلى الحياة السليمة العادية، يحب الناسَ ويحبونه ويعمل معهم من أجل الخير فـي وضـح النهار دونما تستـُّر وراء الظلام.. ومازالت ثـِقـَتـُها بانتصار الخير والنور والمحبة كبيرة..

إننا هنا أمام رؤية رحبانية عاقلة حكيمة ترى فـي المجتمع وبين الناس ما يجمع بين الأفراد من خيوط على طريق الخير والنور وتطالب بهدم الجدران الفاصلة والتي تحول دون سلامة العيش.. ويظهر الأبطال الرحبانيون متفائلين بإمكانية إعادة من انحرف من الناس إلى جادة الصواب، وسنرى بعد قليل اعتماد المؤلفـَين على البطل السلبي فـي حلِّ العقدة الدرامية وصولاً إلى الهدف المنشود.

من ناحية أخرى نجد أن الأخوين رحباني يشيران للمرة الأولى إلى دور الفن الإيجابي فـي التأثير على المنحرفين وردّهم إلى ساحة النور. فصوت منتورة يسحر هولو ويرشده، لا بل يأمره. وسيتكرَّر هذا الموقف بعد ثلاث سنوات فـي مسرحية "أيام فخر الدين" التي أسنِد فيه دورٌ عظيم للفتاة (عطر الليل) فـي دعم الكفاح الوطني وحشد الناس لدعمه.

 

تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة