الجزء الأول

 

القــَـوي لـبنــان الغـَـني لبنــــان

الهـَـنا والجـَـنى بــِسـَمـا لبنــــان

______________________________

....

و"موسم العز" باكورة الأعمال المسرحية الرحبانية بدأ الأخَوان العبقريان بها المنهجية الواقعية فـي المسرح الغنائي بديلاً عن اسكيتشاتهما الغنائية السابقة فكانت بداية موفقة جعلت جمهورَهما فـي البلدان العربية وعلى الأخص فـي بلاد الشام ينتظر جديدَهم كلَّ عام فـي مهرجانات بعلبك الدولية ومهرجانات الأنوار ومعرض دمشق الدولي أو حفلات كازينو لبنـان أو قصر البيكاديلي فـي بيروت وغيرها. وقد سبق للرحبانيـَّين أن ظهرا على المسرح الغنائي فـي أعمال أخرى كان أولها (مهرجان عيد الليمون) الذي أصبح بعده عيداً وطنياً.. لقد سَجلت أعمالُ الرحابنة وتاريخُهم هاجساً وشغفاً كبيرين لخلق أعيادٍ لفرح الوطن والشعب خارج الإطار الديني ومفاهيم العيد التقليدي الانعزالي!

محور هذا العمل الرائع والفريد من نوعه هو الحب والعمل فـي الضيعة اللبنانية النموذجية التي تكونت لدى أهلها عبر التاريخ تقاليدُ العمل الجماعي المنتج المرتبط بالأرض وباحتياجات الناس وبحياتهم ومشاعرهم وفنهم. وفـي الحقيقة فإن ما يميز أدب الضيعة اللبناني على وجه الخصوص ارتباطه المتين بالطبيعة ومكوناتها الجميلة المتوفرة بكثرة فـي القرى الجبلية ذات التضاريس المتنافرة والمتنوعة والملونة والتي تتآلف عناصرها من جبال شاهقة صخرية ومكسوة بغابات الأرز والسنديان أو ببساتين الأشجار المثمرة إلى الوديان الجافة ووديان الأنهار المحاطة بالأشجار المتنوعة والسهول المزروعة والشطآن الصخرية الجميلة وضيوف كل هذه الأماكن من الطيور المتنوعة والحيوانات الأليفة إلى السمـاء الفسيحة وغيومِها تتعانق بحنان مترف معها قممُ الشوامخ من جبال لبنان الأخضر البديع.

فـي هذه الضيع تعلـَّم الأهالي على مـَرِّ العصور كيف يقاتلون الصخر لتمهيد الأرض وتنظيم الحقول ومواسمها وزرعها بما يفيدهم من نباتات وأشجار وتعلموا كيف يحافظون على صداقتهم الروحية والمادية مع طبيعةٍ انعكس جمالها على مفردات الناس وأدبهم وطقوسهم وعاداتهم وملامح الطـِّيـْبة والودِّ والجمال فـي وجوههم بأصدق التجليات، فكان الإنسان اللبناني الخلاق والمبدع والذي ما أن يلتقي بالجديد ويتقبـَّلـََه ويستوعبَه ويلمَّ بتفاصيله حتى تولدَ من داخله فكرة الإبداع الأجـدِّ والأفضل فـي أسفارٍ لا تنتهي، مداها الزمن كلـُّه ومحطاتـُها عتباتٌ تتلألأ عزاً وشموخاً وكبرياء فـي كل صفحات التاريخ الإنساني.

....

 تضعُنا المسرحية فـي مشهدها الأول فـي ساحة الضيعة التي التقى فيها لإحياء العيد فتيانٌ وفتياتٌ منها مع ضيوفهم من الضيعة المجاورة. لحن الافتتاح تؤديه مجموعة من الآلات الوترية والنفخية والإيقاعية تصاحبها أغنية خفيفة بطريقة الأنشودة تقدم لنا الساحة والعيد وفتيانَ الضيعة وفتياتِها:

الشبيبة:        الـْـعيــدْ السـَّـاحة ْ السـَّـهريِّــة ْ       تـْــطـَـوِّلْ وِتــْــزيــدْ

               الضـَّيعـَة ْ الحلوة ْ المِضْويـــــِّة ْ       بـْـلـَيـْـلـِِة ْ هـَالـْعــِيــدْ

 ....

 وتشرع نجلا، مزهوَّةً بالنصر أمام شاهين وبالبرهان على كفاءة الضيعة، بالغناء وقد تألـَّق وجهها دلعاً بعد سماع أبيات الغزل من شاهين الذي تحبه من كل قلبها وتغني له وليس لغيره:

نجلا:           تـْنـَهَّـدْ يا قـَلـْبي ودقّ عَ بــاب الحـِلـُو

                بـَلـْكـي بـْيـِفـْتحـْلـَك وْهـَيـْك بـْتـِسـْألـُو

                ومـْنسـْألـُو شـُو بـَدَّلـو شـُو ها لـْجـَـفا

                وبـَـعـِدْنــا والـعـُمِر بـَعـْـدُو بـْأوَّلـــــو

                أوف.. أوف.. أوف    يــــا بــا..

  ....

 مختار الضيعة فـي الدراما الرحبانية عميدُها والأب الروحي لأبنائها بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سامية وما تتطلبه من رعاية واهتمام. لهذه الشخصية مكانة غاية فـي الأهمية فـي تطور الحدث الدرامي ولا بد لهذه الشخصية الإيجابية من التخصيص بأجزاء مهمة من السيناريو تلائم حاجة الدراما إلى تداخلات وحلول ثانوية وحل نهائي للعقدة الأساسية، ما لم تـُسند هذه المهمة إلى شخصية أخرى مساعدة.

كثيرة هي الحالات التي اعتمد الرحابنة فيها على الفنان الكبير نصري شمس الدين للـَعِب هذا الدور الذي يتطلب مهارة من نوع خاص ومواصفات شخصية برع فـي تقديمه الفنان القدير الذي رافق الرحبانييِّن فـي عمليهما مع الفنانة صباح (موسم العز ودواليب الهوا) وفـي أعمالهما الأخرى مع فيروز حتى وفاته المبكرة على خشبة المسرح فـي الأردن عام (1985) فكان المختار الذي أحب أهل ضيعته وأخلص لهم وساعدهم بحل مشاكلهم والتوفيق بينهم إن حصل خلاف فـي قضايا إرثٍ أو حب أو ما شابه ذلك وأحبوه ووثقوا به وتلذذوا بحكاياه وطلبوا حكمته والتزموا بما تـَوصَّل معهم إليه من اتفاقات.

 ....

 الضيعة التي رفضت مرهج القلاعي طيلة حياته البرية (مَرْبى الِحْراج السُّود– إبن القلاعي) ليس لها الآن أن ترفض عرضَه المُنقذ الذي أعاد للعرس حقيقته ولأهل الضيعة بهجتهم مكمـِّلاً نجاح موسم العز وحافظاً له قدسيته.

مرهج:         ياشبـاب.. وْقـََـفو شـْوَي.. أنا بـَـدِّي شيلْ مع أهـْـل العريس

الجميع:        إنتْ يامرهـــج ؟!

مرهج:         أنا بـَـدِّي شـيـلْ مع أهـْـل العريــــس

الجميع:        ليش يامرهـــج؟!

مرهج:         لـَـيــــــــــــش ؟!..

               لـَـيـش خـَلــِّي العـِرْس مانـُّـو عـِرْس..

               تـْــروحْ نـجـلا.. حِلـْــوِة الحِـلــْوات.. بـْلا رقــْصْ.. بـْــلا زِيـْـنـات

               ولا نـْجـِبـِلـْهـا تـْشــاكـيل قــَطـْف الشـَّـمـْس !!

               وْشـُو نـاطـْرَة إيــَامـْنـا كـِـلا َّ ؟؟    شـُو ناطـْرَة قــْناطِـر الـْ عـَمْ تـِعـْلى؟

               وِادْراجـْـنــا وِكـْـــروم عـَـم تـِحــْلى

               شـــــُو نـــاطــْرَة؟ مـِـشْ عـِرْســْــها لـْـنـجــلا؟

               لا تــْدَّمـّعـي نجــلا

               ما بـْـتـِطـْلـَعي مـِن هـَون             إلا وْعـَمْ يــِعلى عِرسـِك عَ هالكون!!

 ....

 يقدم لنا المخرج هنا صوت شخص غائب يرمز إلى والد العروس الراحل، إذ لا بدَّ من توصيةٍ أخيرة لمرحلة قد يكون فيها المُرُّ إلى جانب الحـُلو.. توصيةٍ تعكس بأقلَّ ما يمكن من الكلام ثوابتَ البيت والضيعة والناس والحرص على نقلها للأولاد، عمادِ الوطن، عبر التربية الصالحة، والصوت للراحل عاصي الرحباني:

آخر وَصيِّــــة:

قـَبلْ ما تـْروحي مـَعـُو.. روحي مـَعـُو..

وْللمـَوْت بـِتـْضلــِّــي مـَعـُـــــو..

الماضي، الطـُّفولة، أهـْلـِك.. الجيــران..

كـِلـّهـُـن نـِسـْيـان.. وغـَيـْرو ولا إنسـان..

بالفقر بـِتـْكوني معو                  وبالعِزّ بـِتـْكـوني معـو

ولما بـْـتِعـْصُفْ ريــــح                بـِتـْكــــوني معـــــــــو

وربي ولادك عَ الرِّضى                بالمحبِّة والرضى

بـْتــِـزْهـِـــر الأرض                 وهــَـيـْـكْ بـيـْشِعّْ الفـَـضــا

زرعيُّن بالوعـِر أرزْ وسنديانْ      مـَـلـْـــوى الـــــزَّمـــــــان

وقـُوليلـْهـُن: لبنـان!..

بعـِـد ألله       يــِعـْبـَدُو لـبــنـــــــان!

 

تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة