الجزء الثاني

 

 

............

 

تعيدنا (زيـُّون)، القادمة من مدينتها والمتوقفة في طريقها إلى ضيعة جدَّتها (كحلون)، إلى ثلاثينيات القرن العشرين، بدلالة موديل السيـَّارة التي تعطـَّلت بها في بلدة (ميس الريم) فكانت المسرحية الممتعة التي قـُدِّمت في شتاء العام 1974 على مسرح قصر البيكاديلـِّي ثم أعيد تقديمها في خريف العام نفسه على مسرح معرض دمشق الدولي ضمن مهرجاناته الفنية السنوية، وكالعادة بعد أغنية رائعة لدمشق وللجمهور السوري بصوت سيـِّدة بلاد الشام فيروز.

تقوم السيدة فيروز بدور البطولة في المسرحية التي ألـَّف كلماتها وألحانها الأخوان عاصي ومنصور بمشاركة كلٍّ من الياس وزياد الرحباني، والعمل من إخراج عاصي، الذي بدأ اعتباراً من هذه المسرحية يدير عملية الإخراج بدلاً من المخرج التقليدي للأعمال السابقة، الفنان صبري الشريف (توفي عام 1999)، الذي كانت "ناطورة المفاتيح" آخر المسرحيات التي أخرجها خلال تاريخه الحافل مع الأخوين رحباني ، بالإضافة إلى تصميم تقنية الإضاءة في جميع تلك المسرحيات، وقد رافقه في الكثير منها المخرج المساعد برج فازليان الذي أخرج "المحطة" و"لولو". وسنرى عاصي الرحباني مخرجاً لمسرحيات "بترا، 1977" و"المؤامرة مستمرة"، 1980 و "الربيع السابع"، 1981 التي توَقـَّف عندها مسرح الأخوين رحباني.

وهذه المسرحية هي الثانية بعد محنة بيت الرحباني ومحنة الملايين ممَّن كانت قلوبهم مع عاصي في مرضه قبل عام ونصف، وقد تقبـَّلها الجمهور الرحباني في بيروت ودمشق دليلاً لا يقبل الشـَّك على تحقــُّق أملِهم في شفائه وفي استمرار النهر الرحباني المتدفق فناً وأدباً وفكراً وعطاءً منقطع النظير.

قبل أن تـُرْفع السـِّتارة عن المشهد الأول في المسرحية ذات الفصلين تقدِّم الأوركسترا نفسها عبر مقدمة ناعمة تشترك فيها جميع المكوِّنات مستعرضة طاقاتها العظيمة بين أنامل وأفواه أمهرالعازفين وقد روَّضتها المنهجية الموسيقية الفذة لتـلبـَّي تطلـُّعات جمهور تميـَّز بذوق رفيع وثقافة عالية. تضعنا الموسيقا التعبيرية العذبة في واحدٍ من أحياء البلدة التي قارَبَـتـْها أعمال الديكور من مظهر مدينة قيرونا الإيطالية، التي عاش فيها العاشقان (روميو) و(جولييت)، بطلا رائعة شكسبير الخالدة.

نحن في ساحة ميس الرِّيم، التي تطلُّ عليها مجموعة من المنازل التقليدية المبنية من الحجر الأبيض والمسقوفة بالقرميد الأحمر والمُزيـَّنة بأحواض الزُّهور الملوَّنة ونباتات المنازل وقد تطاولت في امتدادها كالعرائش صعوداً وتدلـَّت في تسللها نزولاً وعلى امتداد قضبان حديد النوافذ وعتبات الأبواب، تستقبل شمساً وُلِدت لتـَوِّها من خلف الجبال وبدأت أشعتها الطـَّريـَّة تخترق بحريَّة أصغرَ الفراغات بين وريقات تتبادل المداعبة مع نـُسيمات الصـَّباح القادمة من البحر وكأنها ترافق (زيـُّون) في رحلتها اللطيفة.

بعد المقدمة تنتقل بنا الموسيقا فوراً إلى حالة الارتباك والحزن التي اعترت الفتاة الغريبة وهي تنزل من سيارتها في مدخل الساحة وتبيـَّن لنا أنَّ عطلاً قد أصاب السيارة فتعذر تشغيلها.. لحظات ويأتي إلى المكان حُرَّاس البلدة:

الحُرَّاس:    أهـْــلا وْسَـهـْــلا فيـكـي        بــِـبـَلـَدْنـا مَـيـــْس الـرِّيـْـم

            مـِنـْـقـَـدِّمــْلـِك حــالـْـنـا        حــِـرَّاس مَـيــْس الـرِّيـْــم

............

تجلس الفتاة قرب سيارتها متجنـِّبة بشالها الأزرق الجميل النـُّسيمات الباردة المميِّزة لأوائل ليالي شهر أيلول فتلمح نعمان خارجاً إلى شرفة بيته يتلفـَّت يُمنة ويسرى ويتذكـَر (كانت متل هـَلــَّق تِفـْتـَح الشـِّبـَّاك وِتـْسّهـِّرْني).. بعد لحظات تخرج شهيدة إلى شرفة بيتها وتقول (كان متل هـَلــَّق يـِفـْتـَح الشـِّبـَّاك وِيـْسّهـِّرْني) ويتابعان كلُّ عند حَدِّه:

نعمان:            عَمـَّـرُو بَيْنـاتـْنـا حيْطان

شهيدة:            الغـَيـْم طِفي النـِّجـْمِة

نعمان:            دِبْلـِت الورْدِة بالمَزْهَريـِّة

شهيدة:            رَدَّلـِّـي مَحْبَس الخِطـْبـِة

نعمان:            بـْغـَـنـِّـيْلـِك وْهالـلــَّيـْل بـِيـْغـَنـِّي مَعـي

                  وْبـِتـْخـَيـَّلـِكْ فـَوْق الـدَّرَج عم تـِسـْـــمَعـي

                  وْمـَرَّات بـِكـْتــُب دَمْع عَ الحَيْط العَـتيــــــق

                  بـَلـْكـي يا إيـَّـام العـَـتـيـْـقـَـة بْـتِرْجـَعـي

شهيدة:            لا أنـا وْلا إنـْـت عـِــدْنــا راضـْـيـيــــن

                  اتـْـنـَيـْـنـاتـْنا الـظـَّاهِر عْـلـَيْـنا مْغـَيـَّرِيْـن

                  هُوِّي الحَكي هُوِّي العَتـَب هُوِّي الزَّمـــــــــان

                   ما عـاد هـَلــَّق فيـك تـَعْرِف ذنـْب ميـــــْن

............

               المختار:    زيـُّون   اللـِّي سِتـَّا مِن كـَحْلون ؟! عـْرِفـْتِك وْبَعـْرِف سِتـِّك ..

               إنـْتي وْراجـي وْحـاتِم يا بَيـِّي مـَلاّ تـْلاتِة    يا بَيـِّي مـَلاّ تـْلاتِة

               زيـُّون:    أنا طالْعَة لَعِنْد سِتِّي وْكان عِرْس بـِنْت خالْتي وِتْعَطَّلِت سيَّارْتي بْمَيْس الرَّيم

               المختار:    وِتـْأخـَّرْتي.. والميكانيسيان نعمان حِرْدان، ما صَلـَّحْ لِكْ السـَّيـَّارَة

               خـَرْبَطـْتي البـَلـَد.. إنتي مِتـِل سِتـِّك مِشـْكـَلـْجـِيـِّـة

تشعر زيـُّون بالغبن والتـَّجَنـِّي، فما أرادته هو الانتصار للحب وتحريك البيئة القائمة على التعالي والكراهية لنفض المواقف السيئة عن حياة الناس.. وأقصر طريق لشرح ماحصل هو الغناء اللذيذ الذي بدت على الفور محبة المختار الكبير له فراح يستمع إلى الحكاية من حنجرة الفتاة الناعمة وعلى نغمة عذبة راقصة

زيـُّون:        يـا مـِـختــار المَخـاتـيـْـر بـَحـْكـيـْـلـَـك الـِحـْكـايـِـة

أنا ما بْحِبّ الشَّرْح كْتـيْر            وَلا في عِـنـْدي غــا يــِـــة

بـَدِّي تـْـفـَلـِّلـْـنـي بـَـكـِّـيـْر   يـا مـِختـار المَخـاتـيـْـر

............

يفترق العاشقان ثانية وقلبهما يعتصر ألماً لخسارة الحبّ وللنتيجة القاسية التي وصلا إليها.. أما راجي فقد عاد إلى قلبه الحنين إلى الحبِّ والودّ وحكاياته المنسيـَّة، بعد أن هزَّ كيانـَه حسمُ الأمور ليس في صالح أحد وعلى حساب ابنه بالدَّرجة الأولى دون أن يكسب جولة واحدة مع خصمه حاتم.. وهاهو يرى الحزن وقد خيـَّم على المكان والأسى وقد بلـَّلت دموعُ العاشقــَين قصائدَه

راجي:                            أو و و و ف أو و و ف أو و ف

/ خـَـبـّـرُونـي يـاعْـصـافيـر الــــدَّار

بـْـهـاك الـِبـْنـَيـَّـة العاشـْقــَة شو صار / (2)

بـَـعـْـدا بـْـتـِسـْـقـيـْـكـُـن بــِإيـْدا مــَـيّ

وْبـَعـْدكــُـنْ بــِـتـْـخـَبـّرُوهـــا خـْـبــار

............

لم تصل زيـُّون إلى حلٍّ للمشكلة التي كانت وراء حكاية (ميس الريم).. تكـَسـَّرت أحلامها أو على الأقل أجزاءٌ منها.. فلقد أرادت أن يفيق الناس إلى علاقات المحبة وإلى تقديس الحبِّ ولكنها أرادتهم أيضاً أن يسهروا على تنقية نفوسهم فلا ينتهي العالم بالنسبة إلى الفرد عند حدود مصلحته. ولم يحصل هذا.. في مسرحية "لولو" أيضاً انتهى أمر الفتاة بالانكسار لأنَّ نايف بقي على حاله وزوجة القاضي كانت تخطط للشر حتى آخر لحظة ومعها كمٌّ من الانتهازيين.. لقد تركت لولو الحيَّ وعادت مع جدِّها إلى الأرض (جدِّي خِدْني مَعَك).. ولم تكن حالة وردة في نهاية مسرحية "المحطة" أفضل، فقد تحقق حلم الناس وبدأوا السـَّفر بتذاكرهم التي باعتهم إياها وردة ولم تـُبْقِ لنفسها واحدة.. ولم يعطها أحدٌ (اعطوني تذكرة.. اعطوني تذكرة) !!

 

إنها الصـَّرخة الرحبانية المستمرَّة إيقاظاً للضمائر وتحريضاً للوعي والإدراك بأننا سنبقى على ما نحن عليه ما لم نتغيـِّر جذرياً نابذين الأنانية والتـَّعالي على الغير ومشاعر الكراهية وما لم نتخلـَّص من أوهام النفوذ والمُلك والثراء الشيئي تاركين الثقافات البالية إلى ثقافة عصرية جديدة وحياة متطوِّرة إنسانها من نمط جديد. ولن يكون لنا هذا ما لم نـُصـْلـِح السيـَّارة كي تمشي بنا بشكل يتناسب والطبيعة فنتحرَّك إلى الأمام.

زيـُّون:    / مـْبارِح شـِفـْـناهـُن طـالـْعـيـْن      عـَلى قـَمَـر العـِشـَّاق طالـْعـيـْن /(2)

           نِحـْنـا بــِمَطـْرَحـْنـا واقـْـفيـْـــن    والـسـَّـيـَّـارَة مـِـشْ عم تـِمـْشـي

الحرَّاس:  هالـسـَّـيـَّـارَة مـِـشْ ...

 

تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة