مقدِّمة الكتاب

الشاعر هنري زغيب 

 

عجبتُ له يتأنّى بهذا الصبر الجَلود: قارئاً مدقِّقاً، مستمعاً (بل مصغياً) رهيفاً، وبَحّاثةً طُلَعَة.

عجبتُ له يمتدُّ جسرَ متابعةٍ أميناً أكثرَ من ربع قرنٍ مسرحيٍّ رحبانيٍّ يُمسك طرَفه مع "موسم العز" (1960) ويصِلُه بالطرف الآخر مع "بترا" (1977)، ويظلُّ فـي جميعها على التأَنّي نفسه والدقّة ذاتها والسرد عينه، فلا طولُ المساحة الرحبانية أتعبَه، ولا تقشيرُ الإبداع المسرحيّ الرحبانيّ أوهن أمانتَه لِحبه الرحبانيِّ الذي كان، أولاً وأخيراً وبين بين، دافعَهُ الرئيس الى هذا العمل الموسوعي الرائع.

مفيد مسُّوح يلتقي بِحُلم راودني (متلقّياً فـي البدء ثم صديقاً لعاصي ومنصور متابعاً إياهما عن قُرْب) طوالَ سنواتٍ من متابعتي الأعمالَ الرحبانية، ثم طوال سنةٍ كاملة من تنسيقي وإشرافـي على إصدار المجموعة الرحبانية المسرحية الكاملة (عن منشورات "ديناميك غرافيك"). والحلم: أن يجيء يوماً من يقدّم النص الرحباني الى القراء، بعدما كان هو قدَّم نفسه بنفسه الى المستمعين والمشاهدين.

والحلْم ليس فـي مُجرّد تقديم النص وحسب (كما فعلتُ بإصداري المجموعة المسرحية الكاملة، فهذا عملٌ حياديٌّ لا فضل كبيراً فيه) بل فـي الإضاءة عليه سرداً وتفصيلاً وقراءةً نقدية مُحِبَّةً تُبرِز ما فيه من ثنايا وجمالات.

هذه الإضاءة (أخيراً !!!) جاء من توَلاّها: مفيد مسوح، فـي هذا السِّفْر المعمّق.

فكيف مَنْهَج بَحثَه؟

من حيث الإطار:

وما يُميِّز عملَ مسوح عما سبَقَه من إصداراتٍ (وما أكثرها!!!) ودراساتٍ عن النص الرحباني، أن المؤلّف لم يتناول هذا النص بكَمِّه العام (وهو يبقى عاماً مهما فَصَّل) بل بتفصيله الواضح عمَلاً عمَلاً، وهو ما لم يسبقه إليه (بهذا التفصيل الإفرادي الكرونولوجي) باحثٌ بعدُ (وقد لا يقوم به أحدٌ سواه، لعمْق ما أعرف من الصعوبة الفائقة فـي عمل بهذا الشكل).

هنا فَرادةُ مفيد مسوح، وهنا فضله الكبير فـي الإضاءة على الإرث الرحباني.

ولو انّ مُدقِّقاً قام (ولو بفضول علمي بسيط) فأحصى حجم كل دراسة لكل عمل على حدة، لوجدَ أنّ لكل دراسةٍ عن عملٍ مساحةً موازية تقريباً مساحةَ كلِّ عمل آخَر.

من حيث الشكل:

    1) حين اتصل بي مفيد مسوح (وأنا لم ألتقِ بعدُ به حتى كتابة هذه السطور) يسألني إمكانَ الإشراف على إصدار هذا السِّفْر، أصَرَّ على إصداره فـي لونين كي يَنفُرَ النص الرحباني بِلونٍ مغاير عن لون النص البحثيّ. وفـي هذا احترامٌ منه عالٍ ونبيلٌ للنص الرحباني الذي يستشهد به فـي سياق بحثه.

    2) تعمَّدتُ – وأنا أُشرف على صدور هذا السِّفْر – ألاَّ أتدخَّلَ فـي طريقة الكتابة التي اعتمدها المؤلّف لينقل الى الورق النص الرحباني المسموع. لم أشأ التعديل فـي طريقة كتابتِه النصَّ العاميَّ اللبناني الذي لم يعرِف بعدُ كتابةً موحَّدةً لقاموسه وكلماته (وحين يأتي مَن يضع قواعدها اللغوية المنطقية تصبح لغةً موحَّدَة). مع أنني -فـي إصداريَ المجموعةَ الرحبانيةَ المسرحية الكاملة -أَدّعي أنني قاربتُ كتابةً للعامية اللبنانية هي الأقربُ الى منطق الكتابة الموحّدة ذاتِ المنطق الاصطلاحي القاموسي للكلمة أو الحروف.

    3) اختار المؤلف، لقراءته كلَّ عملٍ، هيكليةً واضحة موحَّدة: التَدَرُّجَ بتلخيصه سرداً سياقياً، ثم قراءته مسرحياً، ثم تقييمه مضمونياً أبعاداً وتقْنية.

من حيث المضمون:

    1) بِحُبٍّ كثيرٍ قَشَّر مفيد مسوح كلَّ مسرحيةٍ كما يقشِّر العاشقُ وردةً  من حبيبته فيختار بَتْلاتِها بِحنانٍ، بَتْلَةً بَتْلَة، وبِحنانٍ شفَةً شفَة، وبِحُنُوٍّ ورقةً ورقة، حتى إذا تعرّت الوردة من أوراقها (ويكونُ أضاءَ على عطرها ذرةً ذرّة بِحُبٍّ وإعجاب) عاد فَضمّها جميعاً الى جَمْعَةِ كَفِّه، وَذَرَّها فـي فضاء المدى الوفـي كي ينثرَ أرجاءَها فـي الأثير حاملاً نكهةَ الإبداع الرحباني الذي عرفه الناس طوال  أكثر من نصف قرن (منذ نهاية الأربعينات) على الأثير الإذاعي والمسرحي والتلفزيوني.

    2) وضَعَ مفيد مسوح فـي هذا السِّفْر الدقيق – عبر دراسته الوفيّة الوافية – مادةً غنيّةً للدارسين بعد اليوم فـي أكثر من حقل:

     أ )  المسرح: تناول تقنية الأخوين رحباني المسرحية فـي رسم بياني واضحٍ لكل عمل على حدة.

    ب) الشعر : لم يتوقّف عند الشاعرية (الموهبة) الرحبانية، ولا عند الشعرية (التقنية الشعرية) الرحبانية، لكنه أبرزَ ما فـي قصائدهما من جمالاتٍ وذائقةٍ فنية.

    ج) الموسيقى: لا يدّعي أنه خبير موسيقي، لكنه قرأ الفواصل الموسيقية والمقاطع اللحنية فـي وظيفِيَّةٍ لهما ربطت بين النص واللوحات الغنائية والموسيقية.

     د)  الفولكلور: بَيَّنَ ما قطفه الأخوان رحباني من الفولكلور التراثي التقليدي، وما جدَّداه فـي هذا الإرث اللبناني المشتول منوَّعاً مغايراً بين منطقة وأخرى فـي لبنان.

     ه) الغناء: أبرزَ ما لصوت فيروز من وقعٍ عبقريٍّ فـي قلوب المتلقّين قبل أسماعهم، إضافةً الى أصواتٍ رئيسة أُخرى (وديع الصافـي، صباح، نصري شمس الدين،...) فـي شقع الأعمال الرحبانية عمارةً لبنانيةً جماليةً غير عادية.

     و)  التراكيب التأليفية: أشار الى النسيج التأليفي لدى عاصي ومنصور الرحباني فـي تقديم نصهما شِعرياً ومسرحياً وتركيباً سيناريُوِيّاً ذا نهكةٍ رحبانيةٍ خاصةٍ تركَت بصماتها على جيل كامل من الشعراء والملحنين والمسرحيين.

    3) عرف المؤلف كيف يُضَوّئُ على الخصائص التأليفية الرحبانية بإبراز دورهِما فـي إيجاد "عالَمٍ رحباني" خاص، وُلدت منه شخصيات وكاراكتيرات تعمَّمَت ("راجح" للمخرّب المقنَّع، "هَوْلُو" للمخرِّب التائب، "فاتك" للحاكم المتسلّط، "غيبون" للحاكم المتهوّر، "عطر الليل" لوردة الرسالة الوطنية، ...) كما وُلدَتْ منه قُرى وضِيَعٌ افتراضيةٌ مثاليةٌ أفلاطونيةٌ تعمّمت هي أيضاً ("كفرحالا"، "ميس الريم"، "جبال الصوّان"، "سيلينا"، ...)، فيكون خَلقَ شعباً رحبانياً كاملاً ووطناً رحبانياً متكاملاً.

    4) سحَبَ المؤلفُ لحظةَ الإبداع الرحباني من مسارها فـي الزمن (جرَّدَها من سحابة الصوت العابرة الهاربة) وأوقَفَها برهَةً ليتأَنّى فـي رصْدها ومعايَنَتها وتَملِّيها وتكبيرها مجهرياً لإبراز جمالاتها بكل خصيصةٍ مفصَّلة، فيبقى النص خالداً بنسيجه التأليفي بعد عبور الصوت، وهنا الأهميةُ المزدوجةُ الخطورة فـي النص الْمُغنّى: منه ما يسقط إذا تعرّى من اللحن والصوت، ومنه (كالنص الرحباني) ما لا يفقد إبداعيَّته الشعريةَ والنصية (النثرية أو المسرحية) إذا وصلَ للمتلقي عارياً من اللحن والصوت.

     هذا البحث المتأنّي، إطاراً وشكلاً ومضموناً، ما كان يُمكن خروجُه بهذه الكتابة الأنيقة والدقيقة لولا جهد المؤلف، أمام الأعمال المسرحية الرحبانية الكاملة، فـي القراءة وإعادة القراءة، وفـي الاستماع وإعادة الاستماع، بكل ما فـي ذلك من مراحلَ مطاطةٍ فـي صرفِ وقتٍ طويلٍ وجهدٍ مُضنٍ وتسجيلِ أفكارٍ وملاحظات، سبقت جميعُها مرحلة الكتابة والسرد والتأليف.

وبعد...

لا أُريد أن أُطيلَ فأُفسدَ على القارئ متعةَ اكتشاف البحث "الْمَسُّوحي".

حسْبيَ منه اعترافـي بِخجلي أمام ضخامة عمله الذي حقَّق لي حلماً ما استطعتُ تحقيقه بالشكل الذي نفّذه فيه مفيد مسوح.

وحسْبي أنني تمتّعتُ باكتشاف النص الرحباني، من جديد، فوق ما كنتُ اكتشفتُه، أنا المدّعي أنني أعرفه بالتفصيل لمتابعتي إياه منذ سنواتٍ طويلة.

وحسْب مفيد مسوح أنه قال جديداً جميلاً كثيراً بعدَ ما كان صدرَ قبله، وبه مهّدَ لجديدٍ سيقال بعده عن هذا التراث الرحباني الخالد الذي سيُكتَبُ عنه الكثير أيضاً، ولو ان عمره لم يتجاوز بعدُ نصف قرن، لأنه تراث كامل متكامل الى حدّ ما يسمح به التراث من اكتمالٍ مرحليّ فـي زمنه وَتَمَوقُعِه.

وحسبُك أنت، عند قراءتك الأضواء الجديدة فـي هذا السِّفْر، متعتُك فـي الرحلة الجميلة مع هذا الإرث الرحباني العظيم الذي، بنَصِّه هُنا بين يديك، أثبَتَ حضورَه بعلبكاً خالدةً من بعلبكات لبنان.

 

 

 

تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة