جبران وميّ.. الحبُّ على الورق

 
صلاح حسن - الاتحاد الخميس/29/نيسان/2010
 
   

 

جبران وميّ.. الحب على الورق

من رسائل عظماء الرجال والنساء عبر العصور

صحيفة الاتحاد الإماراتية

 

صلاح حسن - الاتحاد

 

لكي تصبح هذه الحلقة مسك الختام في هذه السلسلة، نخصصها لبعض خطابات الحب الفريد الذي جمع بين أحد أشهر أدباء العرب وإحدى أشهر أديباتهم وهما جبران خليل جبران ومي زيادة.

 

 

وهي علاقة، تبعا للبعض، بدأت برسالة بعثت بها مي بعدما انتهت مي من قراءة كتاب جبران “عرائس المروج” (1906). وهو مجموعة من ثلاث قصص منها “مرتا البانية”، القروية التي تغتصب فتحبل وتهاجر وتضطر للعمل مومسا كي تعيل إبنها ثمرة السِفاح. ويبدو أنها هزت مي كثيرا فبعثت اليه برسالة في 1912 من “قارئة معجبة” تعّرفه فيها بنفسها وبحياتها في مصر التي هاجرت إليها مع أسرتها قائلة:

 

 

 

“أمضي مي بالعربية وهو اختصار اسمي، ويتكون من الحرفين الأول والأخير من اسمي الحقيقي الذي هو: ماري. وأمضي “إيزيس كوبيا” بالفرنجية. غير أن لا هذا اسمي ولا ذاك. إني وحيدة والدي وإن تعددت ألقابي”.

وتهديه مي مع هذا الخطاب نسخة من ديوانها المكتوب بالفرنسية Fle rs de rêve “أزاهير حلم”. ويرد هو بإهدائها روايته الجديدة “الأجنحة المتكسرة”. وهكذا تبدأ إحدى أشهر العلاقات الأدبية ـ العاطفية في التاريخ العربي المكتوب.

ولكن، كما تقول الباحثة سلمى حفار الكزبري التي حققت، مع سهيل بشري، رسائل جبران الغرامية، فإن سلسلة هذه الخطابات، التي لم تفرج أسرتا الأديبين عن معظمها، بدأت بعد أن قرأت مي روايته القصيرة “الأجنحة المتكسرة”. ولكن، بغض النظر عن كيفية بدء “الحب”، فقد أتاحت الخطابات ضوءا باهرا للمؤرخين على حياة كل من كاتبيها وأفراحه وشجونه وآرائه في مختلف شؤون الحياة. وقد كانت تلك علاقة يزيد في تفرّدها أن طرفيها لم يلتقيا وجها لوجه على الإطلاق. لكنها دامت قرابة 20 عاما وأتت الى ختامها مع وفاة جبران في نيويورك في 10 أبريل 1931. ماذا تسمّي هذا وأين يمكن أن تصنّفه؟

 

جبران ابن الراعي

ولد جبران خليل جبران بن ميكائيل بن سعد في قرية بشري بشمال لبنان في 6 يناير (كانون الثاني) 1883 أحد ثلاثة أبناء، مع شقيقتيه مريانة وسلطانة، لأبيه راعي الماشية خليل جبران ووالدته كميلة رحمة. وكاد هذا الأديب العملاق ينشأ أميا بسبب إهمال المقامر السكير تعليمه وتربيته. وبفضل أمه وجهودها، تعلم الصغير جبران القراءة والكتابة وتدرب على الرسم والموسيقى.

ثم هاجر الصبي مع الأسرة الى نيويورك حيث أكمل دراسته وبدأ مشواره الأدبي الذي سيجعله من مشاهير الكتّاب. وترجع شهرته في مختلف أنحاء العالم لكتاب تأملاته الفلسفية «The Prophet» “النبي” المنشور العام 1923 والذي ترجم الى كل اللغات المعروفة تقريبا.

 

مي ابنة الصحافي

ماري إلياس زيادة، فلسطينية ولدت بالناصرة في 11 فبراير 1886 لأب صحافي لبناني ماروني صار مالكا ورئيسا لتحرير صحيفة “المحروسة” المصرية، ولأم فلسطينية من أصل سوري. تلقت دراستها الابتدائية والثانوية في فلسطين ولبنان على التوالي. وفي 1907 هاجرت مع أسرتها الى القاهرة حيث اشتغلت بتدريس الفرنسية والإنجليزية وتابعت دراستها للألمانية والإسبانية والإيطالية والعربية التي اتقنت فنونها ودرست بها الفلسفة والأدب العربي والتاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة.

ولمع اسمها بفضل مقالاتها في المجلات والصحف السيارة وكتاباتها الروائية والشعرية والبحثية متأثرة بعمالقة الأدب من أمثال الفرنسي لامارتين والانجليزيين لورد بايرون وشيلي، وحبيبها جبران نفسه. وبين 1927 و1931 خسرت أقرب الناس الى قلبها بوفاة والديها وصديقها الوفي يعقوب صروف وأخيرا جبران فوقعت فريسة للاكتئاب الذي ظل ملازما لها حتى مماتها في العام 1941.

 

صبية ليست كالصبايا

لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب.. تلك الأشباح التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة بالسكوت، وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله!

هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة، وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي، هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها؟

هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي، وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة.

جبران خليل جبران - 9 شباط 1919

 

(...) ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها! فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنماً في وادي أحلامي، بل هي كقيثارة اورفيوس تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة. إن يوما يجيئني منك برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل؟ ذلك يوم انتحي فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولا في إرم ذات العماد (...) وألف تحية لك وألف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً.

صديقك المخلص

جبران خليل جبران ـ نيويورك 11 حزيران 1919

***

 

يا ماري

(...) أنت أقرب الناس الى روحي، وأنتِ أقرب الناس الى قلبي (...) أحب صغيرتي، غير أنني لا ادري بعقلي لماذا أحبها، ولا أريد ان أدري بعقلي. يكفي أنني أحبها بروحي وقلبي. يكفي انني أسند رأسي الى كتفها كئيبا غريبا مستوحدا فرحا مدهوشا مجذوبا. يكفي أن أسير الى جانبها نحو قمة الجبل وأن أقول لها بين الآونة والأخرى (أنتِ رفيقتي، أنتِ رفيقتي).

(...) شعرت منذ أعوام بأنني وجدت وجهة قلبي. وكان شعوري حقيقة بسيطة واضحة جميلة. لذلك تمرّدت على القديس توما عندما جاء مشكا مستفحصا. وسوف أتمرّد على القديس توما وبنصر القديس توما حتى يتركنا في خلوتنا السماوية مستسلمين الى إيماننا السماوي. هاقد بلغنا ساعة متأخرة من الليل ولم نقل بعد سوى القليل القليل مما نريد ان نقوله. الافضل ان نتحدث ساكتين حتى الصباح. وعند الصباح ستقف صغيرتي المحبوبة بجانبي أمام أعمالنا الكثيرة. وبعد ذلك، بعد انقضاء النهار ومشاكله، سنعود ونجلس أمام هذا الموقد ونتحدث. والآن قرّبي جبهتك ـ كذا ـ والله يباركك، والله يحرسك.

جبران

نيويورك عند منتصف الليل - بين 1 و2 ديسمبر 1923

***

 

يا ماري

تقولين لي انك تخافين الحب. لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مد البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ أتخافين مجيء الربيع؟ لما يا ترى تخافين الحب؟

أنا اعلم أن القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم ان القليل في الحب لا يرضيني. أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كل شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلا من أظلال الله فسوف نحصل بدون شك على نور من أوار الله.

(...) اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب. وقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنا اليوم مقّيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة. فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج الى نور النهار؟ وهل تقفين الى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرّين طليقين نحو قمة جبلنا؟

والآن قربي جبهتك. قربي جبهتكِ الحلوة ـ كذا، كذا. والله يباركك والله يحرسكِ يا رفيقة قلبي الحبيبة.

جبران - نيويورك 26 فبراير 1924

***

 

جبران!

لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب (...) ما معنى هذا الذي أكتبه؟ اني لا اعرف ماذا أعني به. ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من الزر اليسير. كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا، وكيف افرّط فيه؟ لا أدري. الحمد لله إنني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به، لأنك لو كنت الآن حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمنا طويلا، فما أدعك تراني الا بعد ان تنسى.

حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا لأني بها حرة كل هذه الحرية... أتذكر قول القدماء من الشرقيين: أنه خير للبنت ألا تقرأ ولا تكتب (...) وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير اليك، وخير ما يفعل هو ان يظل حائما حواليك، يحرسك ويحنو عليك.

غابت الشمس وراء الأفق. ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، إلهة الحب. أتُرى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وجد فيها من هي مثلي، لها جبران واحد حلو بعيد هو القريب القريب، تكتب اليه الآن والشفق يملأ الفضاء. وتعلم ان الظلام يخلف الشفق، وان النور يتبع الظلام، وان الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحبه، فتتسرب اليها كل وحشة الشفق وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانبا لتحتمي من الوحشة في اسم واحد: جبران!

ماري زيادة - 15 / 1 / 1924

***

 

وأخيراً، كتبت مي تنعى وفاة حبيبها قائلة:

 

حسناً فعلت بأن رحلت! فإذا كان لديك كلمة أخرى فخير لك أن تصهرها وتثقفّها وتطهّرها لتستوفيها في عالم ربما يفضل عالمنا هذا في أمور شتى..

***

 



|عرض التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|