قالوا في "نازك الملائكة"

 
30/06/2007
 
 

آخر الجيل الذهبي

فاضل السلطاني

 
يُختتم رحيل نازك الملائكة ذلك الجيل الذهبي في تاريخ الشعر العربي الحديث. فقد رحل قبلها زميلها و«غريمها الشعري» بدر شاكر السيّاب باثنتين وأربعين سنة، وسبقها عبد الوهاب البياتي بثماني سنوات.

والثلاثة ماتوا بعيداً عن بغداد، التي أطلقوا منها أكبر ثورة في تاريخنا الأدبي، بعد أكثر من ألف سنة من تقاليد شعرية تجاوزتها الحياة المعاصرة، بعد التغييرات الكبيرة التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية على المستوى الكوني، ونكبة فلسطين على المستوى العربي، وما أعقبهما من تغييرات اجتماعية واقتصادية هائلة.

جاء الثلاثة من بيئات مختلفة، اجتماعياً وفكرياً. السيّاب اليتيم من عائلة جنوبية معدمة، من جيكور في البصرة، والبياتي المولود في بغداد من عائلة أقل من متوسطة، ونازك المولودة في بغداد من عائلة برجوازية بمقاييس ذلك الزمان، وبيت أدبي معروف. والتقى الثلاثة في دار المعلمين العالية، التي تخرج منها خيرة كتاب العراق. انغمر السياب والبياتي في مشاغل الشارع العراقي، اليساري آنذاك، وانسحبت نازك إلى عالمها الداخلي الموحش، وإلى ليلها الذي كتبت عنه في «عاشقة الليل». كان الفرق بينها وبين السياب والبياتي ثلاث سنوات. فقد ولدت عام 1923، وهما في 1926. لكنها «كبرت» سريعاً، ربما بسبب قراءاتها المعمقة في الشعر الرومانسي الانجليزي، مضافاً إليها شرطها كفتاة وتربيتها المحافظة. وبينما كان السياب والبياتي يقرآن قصائدهما في التجمعات الطلابية والجماهيرية مبشرين بميلاد عالم جديد خال من الاستعباد والاستغلال، كانت نازك الملائكة تلجأ إلى زاويتها لتكتب عن ذلك المحب الوهمي، الذي تريده كئيباً لأن «العبقرية كئيبة والضاحكين رواسب وزوائل». وليس من المعروف، إذا كان الثلاثة قد ارتبطوا بعلاقة زمالة عميقة. وعلى الأغلب، بسبب اتجاهاتهم الفكرية المتناقضة على الأغلب. غير إن الخلاف الأكبر، برز بعد سنوات، وتجاوز أصحابه، ولم يحسمه مؤرخو الأدب لحد الآن، وهو بداية ما عرف لاحقاً بالشعر الحر في العراق، بالشكل الذي نعرفه الآن، بغض النظر عن محاولات أحمد باكثير ولويس عوض في مصر.

لقد نشرت الملائكة قصيدتها الحرة الاولى «كوليرا»، عن انتشار وباء الكوليرا في مصر، عام 1947، كما تذكر في كتابها «قضايا الشعر المعاصر»: «إن بداية الشعر الحر كانت سنة 1947 في العراق. ومن العراق، بل من بغداد، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله، وكادت، بسبب تطرف الذين استجابوا لها، تجرف أساليبنا الشعرية الأخرى. وكانت أول قصيدة حرة تنشر قصيدتي المعنونة الكوليرا..».

وكان السياب قد نشر في هذا الوقت قصيدته «هل كان حباً؟». ومن يقرأ القصيدتين سيدرك الفرق الكبير بينهما. كانت قصيدة «الكوليرا» أقرب بناء وصورا وإيقاعا، إلى روح الشعر الحديث، بينما جاءت قصيدة السياب امتدادا لقصائده الوجدانية السابقة، والفرق الوحيد هو اعتماد التفعيلة بدل العمود الخليلي. لكن السياب، بموهبته الشعرية الاستثنائية، حقق في سنوات قليلة، في قصائده الكبار «إنشودة المطر» و«المومس العمياء» و«النهر والموت»، ما عجز عنه زملاؤه. لقد حقق ثورة في الشكل والمضمون كليهما، وفي الجملة الشعرية والإيقاع والمعالجة الدرامية، مما منح الشعر الحديث ملمحه المميز، وقفز به بعيدا عن الأشكال والمضامين التقليدية السابقة، إضافة إلى ديوان «أباريق مهشمة» للبياتي، الذي صدر في ما بعد. لكن نازك الملائكة رأت في التجارب اللاحقة على تجارب السياب والبياتي غلواً وتطرفاً، فكتبت كتابها الشهير «قضايا الشعر المعاصر»، وهو ما يزال من أهم الكتب النقدية التي تناولت الشعر الحر، لتضع، أو توضح، عبر نماذج تطبيقية، ما اعتبرته خروجاً عن الأسس والقواعد التي لا بد أن تراعى في الشكل الجديد.

وبالطبع لم يسمعها أحد، وربما شكل ذلك صدمة كبيرة لها، خاصة أنها تعتبر نفسها عرابة هذا الشعر.

انسحبت الشاعرة الكبيرة شيئاً فشيئاً، وعادت إلى ما قبل ولادة هذا الشعر، وانسحبت أيضاً من الحياة في زمن وأناس لا يدركون قيمة ما يملكون إلا بعد فوات الأوان.

 

 

شعراء لبنانيون: ستبقى منارة مشعَّة

الشاعر محمد علي شمس الدين:

أحب منها وجهها الأول

 
أحب من نازك الملائكة وجهها الأول، الوجه الشجاع والمغامر، من خلال «عاشقة الليل»، والمقدمة القوية للديوان، ومن خلال خروجها على النمطية الكلاسيكية في الشعر وتحطيم القيود في مجتمع محافظ جداً، كالعالم العربي والعراق. امتازت نازك الملائكة في تلك المرحلة الأولى بشجاعة ورؤيا، وبنبض إنساني وألم عال جداً، ثم اكملت الشعرية برؤيا نقدية من خلال كتابها عن القصيدة الحرة. وهو اول كتاب نقدي جريء عن معنى القصيدة الحرة، ومغامرة الشعر العربي المعاصر. بهذا الكتاب سبقت الجميع، لكنها بعد ذلك انتكست، وسيطر عليها الطابع العراقي المحافظ، وربما النجفي، فتراجعت عن مغامراتها التحديثية وعادت إلى الصراط المستقيم، والكلاسيكية، لتنتج قصائد، إذا ما قيست بالحداثة، فهي لا شيء، وإذا ما قيست بالكلاسيكية فمستواها متدن. وهنا دخلت نازك الملائكة في سجن من ظلمة الذات والسجن الاجتماعي حتى الموت. في البدايات، تقدمت نازك الملائكة على عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري، كانت أكثر جرأة منهم جميعا ومبادرة، وأكثر تقدماً من فدوى طوقان، وسلمى الخضراء الجيوسي، لكن الحداثة تحليق دائم، وهي لم تفعل وإنما طوت جناحيها ونامت، فنامت عنها عيون الشعر.

 

 

الشاعر جوزيف عيساوي:

قرأتها كمن يحاول اكتشاف تاريخ أدبي

قبل ثلاثة أعوام، وقعت على نسخة عتيقة من أحد دواوين نازك الملائكة، موقع بخطها، وبقلم أسود سيّال، مهدى إلى الصحافي والمخرج فاروق البقيلي. سحرني اسمها على الديوان، واصفرار ورقه، وخطها الجميل، كالجزء الثاني من اسمها.

عدت إلى البيت لم أنم ليلتها، وانا أقرأ شعراً رومانسياً لسيدة دخلت أسطورة الأدب الحديث، كأول من كسر العمود الشعري، قبل ان تتوارى، مفضلة الحياة ربما على الكتابة، والسكينة او الوحدة أو الألم الصامت على مشقة الإبداع الشعري. «كأس حليب مثلج ترف»، أظنه مطلع بيت للملائكة في وصف القمر، حفظته من الكتاب المدرسي، وكنت كلما قرأت بيتاً في ديوانها المسحور، تلك الليلة، استعيد حالاتي الشخصية على مقاعد الدراسة، كما تأملت قاموسها الشعري، ولعبتها الماكرة من غير تصنع، المتعمقة دونما استغراق في غموض اللاوعي وتموجاته. لا أخفي اني قرأتها، برغبة من يحاول اكتشاف تاريخ أدبي للتحول الخارق الذي طرأ على القصيدة العربية في أربعينات القرن الماضي، عبر ما عرف بقصيدة التفعيلة والشعر الحر، قبل ان يتحقق الاختراق الأعظم والأرحب عبر قصيدة النثر، بآفاقها وامتداداتها اللامتناهية. على ان هذا لا يعني أن شعر الملائكة تركني محايداً، لجهة الجمال والصور التي رسمت في نفسي دوائر من الغيم، واقواس قزح لطيفة، وتلك السيولة القمرية التي تجري في حبرها كنهر أو ساقية سماوية. هذا العشق (الملائكي) لا يتسرب إليه شر إلا شر الألم واللوعة من العشق، رجلاً كان أم وجوداً أم ذاتاً، مألومة بالأسئلة، شعرية كانت أو فكرية.

 

الشاعر هنري زغيب:

منارة ولو انطفأت

بغيابها تنطفئ منارة شعّت منذ نصف قرن، بجديدها في الشعر، قاله البعض تجديداً، ورأى البعض الآخر فيه ثورة على التقليد. غير أنني أجد في نازك الملائكة أصالة كلاسيكية نتعلم منها كيف يكون التجديد من داخل الأصول، وليس طفرة هجينة من خارج كل منطق وكل إرث. نازك الملائكة ستبقى في شعرنا العربي ضوءاً لا ينطفئ، لأن المنارة تبقى مشعة، ولو انطفأ نورها، لأن البحارة يعرفون مكانها غيباً وإليها يلجأوون.

 

 

 

 

كتاب سعوديون : نازك الملائكة مثَّلت تحوُّلا شعرياً مكتملاً

اعتبر الأدباء والنقاد السعوديون رحيل الشاعرة العراقية نازك الملائكة، حدثاً بالغ الأهمية، وذلك لأهمية موقعها في الخريطة الشعرية العربية الحديثة، فالشاعرة تعد من أوائل الشعراء الذين كتبوا القصيدة العربية الحديثة، في ما يعد كثير من النقاد قصيدتها «الكوليرا»، التي نشرتها في عام 1947، الشرارة الأولى، للشعر العربي الحديث، التي فتحت باباً واسعاً للتجديد في الشعر العربي.

 

الشاعر أحمد الملاّ:

الملائكة كانت تعي دورها

يقول الشاعر أحمد الملا، مدير نادي المنطقة الشرقية الأدبي:

«وفاة الشاعرة العراقية نازك الملائكة، لها دلالتان: الأولى تاريخية والثانية حدثية، فالتاريخي في وفاة نازك الملائكة، لا يشك أحد في دور الشاعرة، في المسيرة الشعرية العربية الحديثة، حيث أن الشاعرة أسست لحركة التجديد الشعري العربي المعاصر، لكن ذلك لا يعني الريادة، لأن من يطلق الشرارة الأولى ليس بالضرورة أن يكون الرائد في هذا المجال، ومن يستحق لقب رائد هو من رسخ المبادئ بشكل أكبر، ولذلك هناك خلافات كثيرة حول مكتشف التجربة الشعرية الحديثة، لكن لا أحد يشك في أن الملائكة والشاعر بدر شاكر السياب لهما دور كبير في ذلك.

والموقف الآن لا يبحث في هذا المجال، بقدر ما يبحث في أهمية نازك الملائكة ودورها في التيار الذي عمل على مسألة التجديد الشعري والفكري العربي في هذا المجال، خاصة أن دورها لم يقتصر على كتابة الشعر فقط، وإنما بحثت في الجانب النقدي في هذه التجربة، من خلال كتابها الرائع والمهم «قضايا الشعر العربي المعاصر»، وهذا يعطي دلالة أنها كانت تمارس دورها عن وعي وليست صدى لتجارب أخرى".

ويضيف الملا:

«أما في الشق الثاني، وهو الحدث (الوفاة) فمن الأسف أن تجد أحد المبدعين ينتهي بهذا الشكل وبدون أي تقدير، وفي مكان مجهول، بينما المتوقع أن يكون له اهتمام في حياته وما بعد مماته. للأسف اننا في العالم العربي والعالم الثالث عموماً نتذكر مبدعينا ونكرمهم بعد رحيلهم، ويكون حديثنا عنهم بشكل تطهيري وبشكل يوحي برفع اللائمة عن أنفسنا تجاههم، بينما في المجتمعات التي تحترم قدراتها وتحترم مبدعيها، تحتفي بهم في حياتهم وبعد مماتهم، فقبل موت الشاعرة كانت هناك مطالبات عديدة برعاية الشاعرة والاهتمام بصحتها، لكن لم يكن هناك التجاوب المأمول مع وضع الشاعرة من قبل المؤسسات المختلفة في الوطن العربي، وهذا ينسحب على كثير من المبدعين، الذين يكونون في أمس الحاجة إلى الرعاية والاهتمام، لكن ذلك لا يأتي إلا بعد فوات الأوان، وما نتمناه في كل حدث مثل هذا أن يتم الاهتمام بالمبدعين قبل وأثناء معاناتهم، وليس بعد رحيلهم».

 

الدكتور معجب الزّهراني:

موتها انسحاب للشعر من المشهد العبثي

 

ويقول الدكتور معجب الزهراني، أستاذ الأدب العربي بجامعة الملك سعود، بالرياض، والناقد الأدبي:

«تمثل نازك الملائكة، لحظة تحول مهمة جداً في الشعرية وكذلك سياق الشعرية العربية الحديثة، وهي بقدر ما ألقي الضوء حولها، ستظل هناك نقاط ملتبسة في هذا اللحظة التحولية المثيرة للأسئلة، فقبلها حاول بعض الشعراء المهجريين، أحداث نوع من أنواع الثورة في لغة القصيدة العربية وفي موضوعاتها وفي أشكالها، ولكن أن تأتي نازك الملائكة وتشخص هذا التحول في قصائدها، وكذلك السياب، فهذا ما يثير الأسئلة، وفي اعتقادي أنه ما زالت هناك حاجة ماسة للبحث في لحظة التحول هذه، رغم ما كتب عنها من دراسات نقدية».

ويضيف الزهراني:

«الذي يثير اهتمامي الشخصي عندما أدرس الأدب العربي الحديث أو حينما أكتب موضوعاً حوله، أن الموروث الشعري المكتنز في الذاكرة العراقية، سواء الفردية أو الجماعية أو المكانية، إلى الآن لم يبحث بشكل معمق، ونحن بحاجة إلى بحوث تغامر في هذا الاتجاه تماماً، كأن نقول إن ذاكرة السرد النثري عريقة في مصر، أو ذاكرة الشعر التقليدي بنوعية الفصيح والشعبي عريقة في الجزيرة العربية، هناك ذاكرة شعرية ثرية ومتنوعة في بلاد وادي الرافدين، واعتقد أننا بحاجة إلى دراسات معمقة في هذا المجال، ويجب أن تستصحب هذه الدراسات دراسات الفكر الفلسفي والأنثربولوجي الحديث، كشرط أساسي، إذ لا تكفي الدراسات النقدية والبلاغية المعتادة، وهذا من شأنه أن يلقي ضوءاً جديداً على هذا التحول، الذي وجد ناضجاً ومكتملا على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، ولا يكفي أن نقول إنهما تأثرا بالشعر الأنجليزي، أو بفلان من الشعراء، هذا المقولات تريح الذهن من عناء البحث، لكن هناك حاجة إلى بحوث معمقة في المناطق المجهولة".

ويبين الزهراني:

"نازك الملائكة ربما تكون هي من دشن هذا التحول، وأعطى له مشروعية التسمية، لكنها لم تكن وحدها التي مثلت التحول في المستوى الجمالي، ربما يكون السياب مثل هذا الجانب بعمق وبجدية أكثر من الملائكة، لكن المصاحبة النقدية التي حاولت من خلالها الملائكة أن تتبعها في كتابتها المبكرة عن قصيدة التفعيلة، والشعر الحر، أيضاً مثيرة للتساؤل والاهتمام، لأنها محاولة جدية لوضع وتقنين جماليات هذه الظاهرة واستكشاف قوانينها، وربما نقطة ضعف نازك الملائكة أنها كانت مثل الحصان الذي يركض في فضاء الشعر، حيث كانت تركض باللغة إلى الأمام، لكنها عندما كانت تنظر تعود إلى الخلف، حيث كانت تستخدم الكثير من مفاهيم العروض التقليدية، وبالتالي كانت هناك مفارقة بين تنظيراتها ونصها الشعري، وهذا ما تنبهت له في كتاباتها المتأخرة نوعاً ما، لكنها تظل لحظة رمزية باهرة، ويلح أننا في أمس الحاجة إلى المزيد من البحوث للإلقاء الضوء على هذه اللحظة".

ويرى الدكتور معجب الزهراني، أن موت الشاعرة له دلالة تتسع لتشمل فضاءات مشرقية كثيرة، كأنما انسحابها هو موت سلمي، موت سعيد، كما يقول البير كامو في أحد كتبه، يقابل هذا الموت العنيف هذا الموت العبثي، الذي يكاد يفقدنا حس التعاطف معه لأن هناك من يمارسه بمنظور المقدس الوطني أو المقدس القومي أو المقدس الديني، وبالتالي هو موت عبثي يأخذ شكل الجريمة، بينما نازك الملائكة تلك الشاعرة المرهفة الرائدة ماتت بسلم وسلام، وكأنما هي تنسحب من مشهد لم يعد صالحاً للشعر.

 

 

 

|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|