وقفة عند رواية (لقيطة) لمحمد عبد الحليم عبد الله

 
د. عادل الفريجات 11/010/2007
 
  

صدرت رواية لقيطة في العام 1945، ولم تتح لي فرصة قراءتها إلا مؤخراً، وعنّ لي بعد الفراغ من مطالعتها أن أسجل حولها هذا الملمح النقدي القصير.

فقد وجدت الروائي في هذا الأثر الفني المانع، يجلد بطلته التي سماها (ليلى) أشد الجلد، فقد اختارها، ولا جناح عليه في ذلك، فتاة لقيطة أُودِعتْ في الملجأ (ج) قرب القاهرة، وبعد مضي ثلاثة عشر عاماً خرجت من الملجأ المذكور، لتعمل ممرضة في مشفى الدكتور (ك). ومحضها هذا الدكتور عطفه وحبه ورعايته، ولكن دسيسة من زميلاتها الممرضات قذفت بها خارج المشفى، فغادرت القاهرة إلى الإسكندرية، وهناك التقت الطبيب (جمال)، الذي أحبها غير مكترث بنسبها المجهول، مأخوذاً بجمالها الفتان وروحها الجذابة. ولكنه اصطدم بمعارضة أبيه للاقتران بها، فيئست ليلى من الناس القساة والمجتمع الظالم والحياة الغادرة. حتى إذا ما تعرضت لجرح في ذراعها من مشرط الجراحة، وآل جرحها إلى تسمُّم هذه الذراع، أبت بترها، لأن المجتمع رفضها مع الذراع، فكيف يقبلها بدون ذراع؟ وقد أسلمت الروح، بما يشبه الانتحار، رغم إلحاح حبيبها جمال، بأن تقبل العيش بلا ذراع.

ولكن موتها لم يتم إلا بعد أن التقت أمها في المشفى، هذه التي أخبرتها بقصة زواجها وطلاقها، ثم زلّتها التي أسفرت عن حمل غير شرعي، جاء بليلى إلى الحياة أولاً، ثم إلى الملجأ "ج" ثانياً.

وفي تأويل عاجل لهذه الرواية، أعلن أنها ليست روايةَ فرد بعينه، بمقدار ما هي رواية عن المجتمع الظالم، الذي اكتنف حياة ليلى وأطوارها، وتقلباتها، ومنغصاتها. وهي رواية لا تدين ليلى بمقدار ما تدين مجتمع ليلى. والإدانة هنا تتجه إلى من ينكر على المخلوق البشري إنسانيته، دون ذنب اقترفه، فكأننا هنا إزاء القول القائل: (الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون). فقد زلت قدم أم ليلى كما ذكرنا، ولكن ليلى هي التي دفعت ثمن تلك الزلة، قهراً وعناء وشقاء وحزناً، وأخيراً موتاً، في ريعان الشباب.

بيد أن اللوحة الاجتماعية، لا تبدو بالقتامة الكاملة، فقد قُيِّض لليلى رجل أمين فاضل عرفته حين كان نزيل مشفى الدكتور "ك". وقد أخذ ذاك الرجل بيدها، وأعارها كتباً من مكتبته أطلعتها على ملامح من الحياة، كان أبرزها كتاب يعرض مواقف بين عاشقين، بل يوميات حبيبة ترقب سلوك حبيبها نحوها، وكذلك جادت لها الحياة بأن تعرف أختها في الرضاعة، بائعة اللبن المسماة (كوثر). وأخيراً بل أولاً، تذوقت ليلى طعم الحب البريء، بالتقائها بالطبيب جمال في الإسكندرية، التي حطت بها بعد طردها من العمل في القاهرة.

ورغم ذلك كله، لم يفلح لا المكان، ولا الزمان، ولا الحب، ولا التعرف إلى الأم، قبل انتهاء الرواية، لم يفلح كل أولئك، في أن يدفع قدراً كان مقدوراً، فآثرت ليلى الموت على الحياة، رغم وجود أمها والطبيب (جمال) بالقرب منها.

وتحضرني هنا رواية أخرى، فيها بعض التشابه ما بين بطلتها (نورة)، وبطلة رواية لقيطة (ليلى)، وهي رواية السيدة نادرة بركات الحفار المعنونة بـ (قلوب منسية). فنورة مثل ليلى فتاة لقيطة. بيد أن نورة تحدّت القدر الغاشم، وجابهت الظرف القاهر، وتابعت تحصيلها العلمي، فحازت شهادة الماجستير، وقبلت الزواج من الصحفي (كريم)، الذي فقد بصره في لبنان أثناء العدوان الإسرائيلي عليه، مقدمة نموذجاً للتضحية والإيثار عظيم الأثر.

إن بطلتي كل من الكاتبة السورية نادرة بركات الحفار، والكاتب المصري محمد عبد الحليم عبد الله، يحدد كل منهما مفهوم صاحبه للحياة، ورؤيته العالم من حوله. فالبطلتان هنا تنتميان إلى موقفين متناوحين: موقف الصمود والمجابهة، وموقف الهزيمة والانسحاب من الصدام. وإذا كان بطلة الكاتبة السورية تمثل بطلاً إيجابياً، فإن بطلة الكاتب العربي المصري تمثل بطلاً سلبياً. والبطل السلبي يبدو عاجزاً عن قلب الظروف المحيطة به. ومنصرفاً عن مواجهة الصعاب والخطوب. ولا جديد إذا قلنا إن البطل الإيجابي هو القادر على قلب الموازين، واجتراح الأعمال والأفعال، التي تغيره وتغير نظرة الآخرين إليه.

إن بطلة (لقيطة) تمثل البطل المضاد الذي يخضع لقوانين المجتمع الجائرة، ويعجز عن التغيير والفعل وتحديد المصير. ومن أمثلة البطل المضاد، في الروايات العالمية، شخصية الساذج في رواية (كانديد)، لفولتير، وشخصية بوفاري، في رواية مدام بوفاري، لفلوبير، وأبطال رواية الغريب، لألبير كامو، وبطل رواية المحاكمة، لكافكا. و(سانتياغو نصار في رواية (قصة موت معلن) لماركيز.

ولا مراء في أن تصوير البطل السلبي والمهزوم والمتخاذل، يقدم صورة عن مجتمع ردي يعاني مفاهيمَ بالية، وأمراضاً اجتماعية أو سياسية. ولعل هذا هو ما أراده محمد عبد الحليم عبد الله في روايته (لقيطة) في المآل الأخير.

والراجح لديَّ هو أن صاحب هذا الأثر لم يكن بغفلة عن الوجه الآخر للمجتمع، ذاك الذي يدعو إلى التفهم والشجاعة والمواجهة، فقد ارتفع في الرواية صوت الرجل الأمين الفاضل، الذي أهدى ليلى بعض كتبه، وفتح عينيها على جوانب من الحياة كانت مجهولة لديها. فبعد أن تقول ليلى لذلك الرجل الأمين، الذي راحت تناديه يا أبي: (أنا في ظلام من دنياي يا أبي، لا تشرق عليَّ شمس، ولا يحييني شعاع، أنا لحن غير مطرب، أنا سر كان يجب ألا يذاع، وحديث كان يجب ألا يشاع، أنا كلمة غير واضحة ولا مفهومة، أنا مبتدأ ما له من خبر، وفعل ما له من فاعل، أنا لقيطة).

يقول لها الرجل الأمين الفاضل: (لا تظلمي نفسك، فأنت غير الذي تعرفين، ابتسمي للحياة واضحكي للوجود، وادخلي إلى قلبك، وانزعي جذور التشاؤم، وارسمي الدنيا راقصة، يرقص حولك كل كائن، انشقي النسيم العليل، ودعي الجو الخانق، واسمعي اللحن الجميل، وسدِّي عن النادبات المسامع، لم يكن لك حق في الحياة، حين كنت على الشاطئ الآخر، وأنت اليوم على شاطئ الحياة، فلك ما لهم، وإن عبرت على زورق مسروق، ونحن لا يهمنا المعبر، ولكن يهمنا العابر (الرواية ص 57).
ويضيف الرجل الأمين: (استبشري بالصباح، وغردي مع المساء، وافرضي على الناس وجودك، فما أنت مذنبة ولا جانية. أنت روح طاهر في إهاب طاهر. أنت ساعة توبة أعقبت ساعة خطيئة. أنت لفظة استغفار رددها لسان عثر، فقبل الله وغفر). (الرواية ص 58).

ولكن كل هذه النصائح لم تفد شيئاً، ولم تجعل ليلى تغير موقفها، وتبدل دربها، بل وجدناها تتلبس بالتشاؤم، وتتلفع باليأس، وتجتر القنوط، فتؤثر الموت، لأن الحياة نبذتها، وهي أنضر ما تكون، فكيف إذا عاشت بذراع واحدة. لقد فر الناس من جمالها، فكيف يقبلون على فتاة شوهاء (الرواية ص 164).

ونلتقي أخيراً بحامل فكري للرواية، يزيدها تألقاً، وفحواه تحريض مضمر للمجتمع أن يقبل بين صفوفه، أبناءه الذين قسا عليهم الدهر، وغدر بهم القدر دون ذنب ارتكبوه، بكل الترحاب والعناية، دون تمييز ظالم، أو تفرقة بلا مسوغ. فتلك المواقف هي ما يميز أبناء البشر عن غيرهم من الكائنات الأخرى.

وربما كان هذا المعنى، وغيره من المعاني التي اكتنزتها هذه الرواية، وأشرنا إليها، وراء احتفاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة بها وتوزيعه لها، بعد أن فازت بجائزة (هدى شعراوي) للرواية، في العام1945.

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|
  10/10/2011
الاسم :   فتاة
عنوان التعليق :   
الايميل :   
التعليق :

حياك اللة ايها الكاتب

أشكرك جزيل الشكر وحقيقة لقد افدتني وشجعتني لاكمل قرائتها وبارك الله فيك