السيمفونية التاسعة لبيتهوفن - قصة قصيرة

 
تمارى سليمان 19/06/2008
 
 

السيمفونية التاسعة لبيتهوفن

قصة قصيرة

تمارى سليمان

 

لا يدري متى يتخلصُ مما هو فيه؟‏ ومتى تنتهي فترةُ الاكتئابِ هذه التي طالت؟!‏

تنهد بأسى، ومشى بتكاسلٍ شديدٍ نحو النافذة، ها هي قامته قد أصابها القليلُ من الانحناء والفتور، ووجهه امتلأ بالتجاعيد، ويداه متشابكتان فوق صدره كمن يريد أن يعاتب وبقوة.‏

أراد أن يقرأ الوجود من خلال هذه الفتحة؟ ولكن عبثاً، فلا شيء يمكن أن يلفت نظره، أو يحرّك فيه ساكناً!‏

ما الذي اعتراه، لمَ يشعر بفراغٍ عجيب؟‏

رجل تجاوز الستين،‏ عجباًّ متى بلغ الستين؟ كم مرّت السنون سراعاً؟!‏

كيف لم ينتبه وقد مر به العمر، إنه حقاً لم يعش...‏

على الرغم من أن حياته كانت حافلة بالعطاء، والانشغالات العديدة، كان وقته مشغولاً، سفر وإلقاء محاضرات، ودعم الحزب الذي ينتسب إليه، ومقارعة هؤلاء الحاسدين، المهاجمين الذين زُرعوا في طريقه يناصبونه العداء وكتابة التقارير، ونسج الكيد له بسبب أفكاره التي طالما دافع عنها واستمات في سبيلها، وذاق الأمرين جرّاء مناقشتها، إنها بنظرهم أفكار متطرفة، مسيئة وهو، بل لسانه لم يتوانَ عن قول الحق وإشهار مواضع الفساد والخلل إن كان في المجتمع أو في هؤلاء الذين يرون وجوده يعرقل مصالحهم وأهدافهم.‏

ومع ذلك تمتم بترفعٍ ملحوظ، وقد أفلت يديه من سجنهما، قائلاً:‏

"لستُ نادماً على شيء، فأنا..."‏

كان قد أحيل على المعاش، واستغنت الوزارة عن خدماته ووجوده، وبذلك شعر بأنه وُضعَ على هامش الحياة، هكذا قبضت عليه يد حديدية مرة واحدة، وقذفت به خارجاً.‏

ها هو وحيد، ومتألم وكئيب، يغادر النافذة ليذرع شقته الصغيرة، التي تعيث بها الفوضى جيئةً وذهاباً.‏

أين هؤلاء الطلبة والناس، الذين كانوا يحيطون به ويشكلون دائرة من حوله، بينما يقف هو في الوسط، في المركز ويبدأ بإجاباته عن أسئلتهم اللامتناهية، والتي كثيراً ما زرعت في نفسه الحيوية والاندفاع والرغبة؟‏

لقد حاز على وجودهم من حوله أعواماً وأعواماً لكنه الآن وللأسف لم يحظ بصداقة حقيقية تخلصه مما هو فيه!‏

فجأة تتغير ملامح وجهه على نحو غامض، كأنما هبط عليه حزن قديم كان مخبوءاً وها هو قد ظهر كمارد، بل لنقل إنه الندم، زفرَ متسائلاً بينه وبين نفسه:‏

"ما نفعُ الندم الآن وقد تجاوزتُ هذه السن، وفاتني ما فات؟!"‏

لم يكن يرى الزواج ضرورة أو الارتباط بأية امرأة وارداً، فحياته الملأى بالاضطرابات والانشغالات منعته من ذلك.‏

كان يسوّغ لنفسه هذا الحرمان بأنه لم يحظ بابنة الحلال التي يمكنها أن تكون رفيقة درب! كان عليه أن يدافع عما هو مؤمن به فقط، وهذا العالم برأيه فاسد من أقصاه إلى أقصاه، وبالتالي هو يشعر باختناقٍ شديد لوجوده فيه، لهذا لم يفكر قط أن يلتزم بزوجة يساهم في اغتيالها ببطءٍ، ويكون أباً ويتحمل جريمة مجيئ أطفال له إلى هذا العالم.‏

لهذا مرَّ بالنساء كما تقتضي الحاجة فكنّ عابرات وزميلات وصديقات ومن حين لآخر عشيقات.‏

ها هو يهبط بجسده المتعب بالأمراض التي باتت ملازمة له كالسكر والضغط وضعف النظر، تتلقاه الأريكة القديمة، يمسح بيدهِ المعروقة على شعره الأبيض، تصطدم أصابعه بصلعته التي تحتل قمة رأسه، تاركاً الإحباط يغزوه ومع ذلك فقد رفع رأسه إلى أعلى بكبرياءِ قائدٍ أسطوريٍّ، وراح يفكر كم أخرج ما فيه من زهور يقدّمها لهذا العالم؟!‏

ومنحَ ما عنده من عطرٍ وسكبهُ ليغطي بذلك روائح المزابل..‏

ولكنها!‏ "كانت كثيرة".

تمتم بحزنٍ كبيرٍ.‏

كم أراد أن يغطي هذا الخراب، أن يجمّلَ القبح الذي يباغته بشساعتهِ، تساءل بدهشة الذي استيقظ أخيراً:‏

"هل استطعتُ؟‏

ترى ماذا فعلتُ، ماذا غيّرتُ؟‏

ها أنا قد دفعتُ الثمن؟ ها أنا أختنق بدخان وحدتي وندمي وكآبتي...".‏

منذ أن أُحيل على المعاش، يكاد لا يخلو شهر من حالة اكتئاب مريعة تصيبه، فيبقى أسير هذه الجدران التي خالها أسمك جدران على سطح الأرض، وأسير هذا الإحباط المدمّر!‏

أزمة دائمة تخترقه فيستحيل إلى كائنٍ آخر لا يشبهه في شيء، قطعة خشبية مرمية في إحدى الزوايا، يطول شعر وجهه، يتهدل جلده، تصفرّ وجنتاه، يتجنب الطعام والشراب، يكاد يصبح ميتاً، هو الذي كان مواراً، مجادلاً لا يستهان به، يُحسب لحضوره ألف حساب، ولكلمته شأن، وللسانه ألف تقرير يرفع ضده حين يبدأ بتحريكه ضمن فمه.‏

ومع ذاك، فقد بات كل شيء وراءه...‏

الحياة اللاهبة، الساخنة التي عاشها باتت وراءه، وبات هو كومة من رماد لا يشفع.‏

منذ أكثر من سنة وهو يُحسُّ بانفلات الخيوط التي تربطه بهذا العالم؟‏

حار كيف يعيدُ ارتباطه به ولكنه في كلّ مرّة يفشل، وفي كل مرة يصطدم بجدار الاكتئاب الذي ينتظره، وحشة عجيبة وفراغ قاتل وملل يزحف صوب روحه فكّر مراراً بالانتحار لشعوره بالخوف من فكرةٍ ما تسيطر عليه كل حين، فكرة أن يموت على الكرسي فتتعفن جثته، وتتفسخ وتنبعث منها رائحة تنفّر مكتشفيه، فيلجؤون إلى حشره في كيس «نايلون» بعد أن يسدّوا أنوفهم المزكومة بالرائحة النتنة،هو الذي أراد أبداً أن يرشّ العالم بالعطر الذي فيه ويقضي على روائح المزابل.‏

"يجدر بي أن أختار نهايتي".

وقف متسمراً حين دهمته الفكرة، استعرضت مخيلته بعض الذين تركوا أثراً وراءهم وسوّغوا لأنفسهم الانتحار وإن كانت الأسباب تختلف من واحدٍ إلى آخر.‏

وقدر بحدسه حجم الألم الذي عاشوه.‏

مرّ في ذاكرتهِ، الشاعر خليل حاوي، ومايا كوفسكي، وهمنغواي، ومعين بسيسو، ولؤي كيالي، و...‏

ابتلع ريقه، راح يتخيل نهاية له، كيف يزف لهذا العالم نهايته، هل يختار ميتة في المكتبة الوطنية كما أحب أن يقضي معظم أوقات فراغه؟‏

أو في حديقة عامة وسط هواءٍ طلق؟‏

أو يلقي بنفسه في النهر؟‏

وقف مذهولاً متسائلاً:‏

أتسمي هذه الساقية المنتنة نهراً؟!‏

"هل قلتُ نهراً؟!"‏

إذاً سيرمي بنفسه تحت عجلات سيارةٍ ما مسرعة في نفق المدينة ذي الأنوار المبهرة، أو سيكون الموت أفضل في إحدى غرف فندق خمس نجوم يؤمه المشاهير والسياسيون البارزون، يبيع شقته الصغيرة ويلتجئ إليه ليشرع في عملية انتحاره التي ستجلب له الشهرة بعد موته وليُقرأ سبب موته على الملأ، إنه هذا العالم المخزي!‏

مزيدٌ من الأفكار انتابت رأسه المتألم لانتقاء طريقة فريدة تحقق غايته... صمت قليلاً، بدا أكثر إحباطاً وحنقاً، واختناقاً، حاول أن يخرج نصفه العلوي من النافذة لعله يشتم هواءً نظيفاً ينتشله من حالة الاختناق تلك.‏

دمعت عيناه، انسرب الدمع على خديه، بكى، حاول بكفه أن يخرس شهقاته، ازداد بكاء، تلفت حواليه لعلّ أحداً لم يسمع نشيجه الذي أخذ يعلو ويعلو، أشفق على نفسه، لأول مرة يشعر بهذا الشعور، لهذا حاول وبشدة أن يسكت.‏

ظلّ فترة ليست قصية حتى هدأ، مسح دمعه، واستند بساعديه على إفريز النافذة، وراح يتأمل الشارع والأشجار على طرفيه، والمباني فيه، والسيارات الواقفة والمسرعة، وأعمدة الكهرباء التي بدأ تضيء، وفجأة تناهى إلى سمعه صوت موسيقى انبعثت من شقة من المبنى المقابل، شنّف أذنيه، وراح يصغي باهتمام، تمتم:‏

"هذه الموسيقى الكلاسيكية ليست غريبة على مسمعي، إنها السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، أجل إنني أملك هذا «الكاسيت» منذ عشرات السنين..".‏

واستدار نحو مكتبته، قفز باتجاه الدُّرج، منذ متى لم يفتحه؟‏

بحث عن الكاسيت، هتف:‏

"ها هو"‏

ووضعه في آلة التسجيل وانتظر انثيالَ الموسيقى، شاعت فيه الحركة، ورويداً رويداً راحَ يحرّكُ جسمه معها، يدور في أرض الغرفة، ها هو يفتح ذراعيه في الهواء، يكاد يطير.‏

"آه، آه".

صاح منتشياً:‏

"منذ متى لم أكن أنا؟‏

منذ متى ابتعدت عني؟"

تساءل وهو يدفع برجليه في فراغ الغرفة، يتراكض حول نفسه الفرحة، شعر بأنه تحرر من الخوف، من شيء أدمنه يدعى الاكتئاب، ومع ذلك فقد كانت عيناه مندهشتين لسؤال طرح نفسه:‏

"كيف لجسرٍ أن يمتد بهذه السهولة فوق أودية الإحباط؟‏

أكاد ألمس السماء من هنا من غرفتي التي يغشو جدرانها العنكبوت يكاد سقفها أن يصبح سماء!".

وراح يدور ويدور تاركاً جسده يتطاول ويتقافز ليمسك بالسماء، ها هي الأنغام السحرية تتغلغل فيه، تطرد ما بأعماقه من عتمة، يخطف نظرة إلى نفسه فيجدها تشع بالنور، يخرج النور على شكل ذرات طائرة، تستحيل الذرات إلى قطرات ماء راحت تتكاثف، حاول أن يتوقف:‏

"أيعقل أن السماء بدأت تمطر؟ مطر، مطر".

خيّل إليه أن حوضاً متطاولاً يشبه القبر أنزل بخيوط لا تُرى ووضع أمامه، وعلى عجل نزع ثيابه أخذ وقتاً لينزع أرديته بسبب دوخانه، إلا أنه في النهاية بدا عارياً، نزل في الحوض وقف في وسطه، ملأ رئتيه بالهواء ثم تمدد وغمر رأسه بالماء بينما عيناه بقيتا مفتوحتين...‏

 

الثورة‏

 

 

|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|