"سوسـة الفسفوسـة" - قراءة ورأي في قصة د. جوني خرعوبة للأطفال

 
جودت عيد 28/06/2008
 
  

"سوسـة الفسفوسـة"

قراءة ورأي في قصة د. جوني خرعوبة للأطفال

جودت عيد

 

 

منذ عدة سنوات يثير أدب الأطفال اهتمامي وفضولي ككاتب، ويشدني الى التعمق به ودراسة جوانبه العديدة وذلك لأسباب تعود الى الدور الذي يقوم به الكاتب في هذا المضمار كوكيل للتنشئة الاجتماعية ومساهمته من خلال النص في بلورة ثقافة الطفل، عالمه وجوانب عديدة في شخصيته وايضا، بحسب رأيي، هناك حاجة ماسة لحضور وانتشار أدب أطفال على مستوى يليق بعالم الطفل بكل ما فيه من خيال، سحر واكتشاف.

على كاتب القصة أو الشعر للأطفال أن يتحلى بخاصتين: أولاً أن يكون قادراً على إدراك ومعايشة عالم الطفل ليستطيع التحدث بلغته وثقافته من خلال تجربة شخصية أومهنية في التربية أو في العلوم الاجتماعية والنفسية وثانياً: أن يكون لديه قدرة لغوية وتعبيرية لكي يصل الى الطفل بالأسلوب الأفضل، الأمر الذي بدوره يخدم هدفين: الهدف الأول، الإبداع من أجل الإبداع والفن، الذي من خلاله، بشكل مباشر وغير مباشر، يقوم على تشجيع الطفل على القراءة والإبحار في تجربة مثيرة وجميلة مضموناً، لغة وألواناً، مما يرسّخ لديه إحساساً إيجابياً تجاه القراءة بشكل عام. والهدف الثاني، وقد يعارضني بعض الأدباء في هذا المنحى، لكن بحسب رأيي، بالذات في أدب الأطفال يجب الاهتمام بالرسالة التي يحملها النص بشكل رمزي وفني جميل يحاكي عالم الطفل والاهتمام بالابتعاد عن العظة وعرض الممنوع والمسموح بشكل مباشر ركيك ويخلو من الأدب والفن.

ليس سهلاً الدخول الى عالم أدب الأطفال ويحتاج الكاتب الى جرأة وقدرة لغوية ومهنية كفيلة في أن تؤهل الكاتب ليكون صاحب رسالة تربوية وإبداعية ملتزمة في نص جميل ولغة راقية ومضمون يعكس مسؤولية الكاتب وتأثيره في العمل التربوي والتثقيفي.

قالت لي إحدى الناشطات في هذا المجال، ممتعضة، بأننا صرنا نتهافت على كتابة أدب الأطفال بهدف الظهور أو الموضة، على حد قولها، ولا يوجد أدب أطفال محليٌّ على مستوى جيد، سوى كاتب واحد او اثنين مما تستطيع تصنيفه ككتاب. حاولت شرح وجهة نظري في أهمية الابداع لدى الكاتب وأهمية التجربة والمهنية لديه مما يضعه على قدر من المسؤولية لدراسة أو تجربة المجال الأدبي الذي يخوضه ومن خلاله يستطيع أن يجسد قصة جميلة تليق بالأطفال.

تذكرت هذا الحوار الذي دار بيننا عندما التقيت الدكتور جوني خرعوبة، في مكتب السيد صالح عباسي في مدينة حيفا، عند صدور كتابه الثاني للأطفال بعنوان: "سوسة الفسفوسة" عن دار مكتبة كل شيء – حيفا، هذا اللقاء زادني ثباتاً واقتناعاً في موقفي ومهنيتي تجاه هذا النوع من الإبداع.

القراءة في كتاب "سوسة الفسفوسة" ممتعة وشيقة للأطفال وأيضاً للكبار، بدءاً بالعنوان الذي فيه شيء من اللطافة والدعابة التي ترسم بسمة على شفاه الأطفال فور سماعه، مما يشده الى الاقتراب وقراءة الكتاب. من جهة أخرى نرى بعد قراءة النص أن العنوان قد يلعب دوراً في تحجيم "السوسة" بقدر يستطيع الطفل التعامل معه لمواجهة الألم الناتج عن تسوس الأسنان، بشكل يتناسب مع قدراته النفسية والتطورية.

الرسوم في هذا الكتاب هي للفنان لؤي دوخي، ونجدها زاهية ومعبرة وتعكس الفكرة بشكل خيالي غير مخيف، معتمداً على الصور الذهنية التي يدركها الطفل لشرح أهمية نظافة الأسنان والتعامل مع التسوّس  حتى التوجه الى طبيب الأسنان في نهاية المطاف. نرى من خلال هذا الكتاب رسالة واضحة، غير واعظة وغير معاقبة أو مخيفة لشرح أهمية الموضوع، ويشكل أداة نستعين بها لللشرح وللمساعدة في مواجهة ألم الأسنان لدى الأطفال. في نهاية القصة، حسب رأيي، بداية لقصة جديدة حول الذهاب الى طبيب الأسنان، لتشكل سلسلة راقية وقد تكون الوحيدة التي تعالج  وتشمل جوانب التعامل مع هذا الموضوع لدى الأطفال بهذا الأسلوب.

استطاع طبيب الأسنان جوني خرعوبة من خلال تجربته في عيادة الأسنان الخاصة للأطفال ومعايشته عالم الطفل بسحره ومخاوفه، أن يضع قصة قد تساعد الطفل على إدراك موضوع تسوس الأسنان وطريقة المواجهة بشكل شيق ومكتمل العناصر الفنية واللغوية. قد يكون ذلك بعضاً من رد على توجّه وموقف هؤلاء الذين يدّعون احتكار مجال معين ويقللون من قيمة الأدب المحلي وأدب الأطفال ويهمشون القدرات والإبداعات ويستهترون بإنتاج الأنسان. ليس مهما بتاتاً من هو الكاتب في نهاية الأمر، المهم هو إنتاجه، إبداعه وحضور النص ومدى ملائمة هذا الإنتاج للجمهور وفي هذا السياق للأطفال.

عند شراء قصة للأطفال علينا التأكد من العناصر الأساسية: العنوان، الرسوم والألوان، النص، اللغة والمضمون والرسالة وذلك لإثراء الصور الذهنية، الخيال والتجربة لدى أطفالنا. وأن لا نقع في دوامة الأسماء لكتاب لا يعملون بالضرورة وفقا للمعايير المهنية المطلوبة.

عسانا أن نكون أكثر موضوعية، أكثر تسامحاً وقبولا لكل مبدع. استطاع طبيب الأسنان جوني خرعوبة، من خلال تجربته ومهنيته، إدراك ما يخيف الأطفال وما يقلقهم في مواجهة ألم الأسنان ومعالجته وبالتالي وظّف هذا الأمر في خدمة النص وتم اختيار الألوان وملائمة الرسوم بشكل ينسجم مع الجوانب النفسية والتربوية بالتعاون مع دار النشر، ليكون بين أيدينا أداة نستعين بها لمساعدة الطفل.

داخل كل إنسان منا هناك مبدع وهناك من يطوّر هذا المبدع وهناك من لا يكترث له ليتفرغ لأمور حياتية أخرى، لكل إنسان ومبدع الحق في العمل على إثراء مكتبتنا وثقافتنا، طبعاً ضمن القوانين والمقاييس المهنية والأدبية المطلوبة في العمل الجاد من منطلق مسؤولية، رقيّ واحترام للكلمة، للقارىء وللثقافة عامة.

 

الناصرة

  

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|