وظلم ذوي القربى

 
عطية مسّوح 19/10/2009
 
  

وظلم ذوي القربى

بقلم: عطية مسّوح   

 

قد يكون أهم ما أظهره حفل تأبين المناضل المثقف الراحل الدكتور نبيه رشيدات، ذلك التقدير الكبير الذي يحظى به لدى أوساط سياسية وثقافية واسعة ومتنوعة .فالحاضرون حفل التأبين ينتمون إلى قوى وتيارات وطنية وقومية وثقافية مختلفة، جاؤوا مدفوعين بالوفاء لهذا الفقيد الكبير، الذي كان على امتداد عقود ملء الأسماع والقلوب، وحمل من الصفات الإنسانية النبيلة ما جعله نادر المثال.

لنبيه رشيدات فضل على كل من عرفه أو كان قريباً منه، ولكن هذا النبيل الأصيل لم يكن يبغي جزاء من أحد، لذلك لا أظن أن أحداً له على نبيه فضل ما، سوى ما تفترضه الصداقة من واجبات، كان نبيه سباقاً إلى القيام بها، وحريصاً على أن تأتي على أفضل وجه.

هذا المناضل المتحلّي بصلابة الإرادة وانفتاح العقل وسعة الإدراك، بدأ حياته السياسية والفكرية باختيار حرّ، عبّر عن تساميه عن مكاسب الحياة اليومية، وترفّعه عن الكثير مما يجري الناس وراءه، فانطبق عليه ما قاله أحمد شوقي في الشهيد العربي الكبير عمر المختار.

خُيّرتَ فاخترتَ المبيتَ على الطوى        لم تبنِ جــاهاً أو تـلـمَّ ثــراءَ

إنّ البطـولةَ أن تمـوتَ من الظما         ليـسَ البطـولـةُ  أن تعبَّ المـاءَ

 

كان نبيه المنبثق من عائلة ميسورة قريبة من أولي الأمر والسلطة في الأردن، قادراً على احتلال أرفع المراكز الإدارية وحيازة الثروات الضخمة، لو أنه وضع أفكاره جانباً، أو احتفظ بها في قلبه دون أن يمارسها في حياته العملية، أي دون أن يكون مناضلاً، غير أنّ تكوينه الإنساني وإرادة المناضل لديه، جعلاه أبياً، يصون نفسه عن الوقوف في غير دائرة المناضلين ضد الظلم والاستغلال والفساد، وفي هذا ما فيه من مصاعب حياتية، لم تكن حصة نبيه رشيدات منها قليلة، فواجه ما واجهه، وعانى ما عاناه، لكنه حصد جائزة هي أكبر الجوائز في عرف المناضلين الحقيقيين، إنها محبة الناس وتقديرهم، وراحة الضمير التي لا تعادلها متعة في الحياة.

لكن هذا الرجل النبيل الأبي، الذي لم تؤلمه مصاعب الحياة، ولم تؤذِ نفسه مضايقات خصومه السياسيين في بعض المراحل، كان يتألم لشيء آخر، نعرفه ـ نحن الذين كنا قريبين منه وإليه ـ إنه ظلم ذوي القربى، وهو ـ كما تعلمون ـ أشد مضاضة من أي ظلم آخر.

لقد ظلمه وأساء إليه عدد من ذوي قرباه، وهم بعض رفاقه في النضال، ممن أصابهم الكثير من فضله وكرم نفسه. ولكنهم على ما يبدو كانوا يشعرون بأنه أكبر منهم شأناً وأعلى مكانة في قلوب رفاقه وعارفيه، ولم يحتملوا في كثير من الأحيان رفضه لأخطائهم ونقده لممارساتهم، وهو المعروف بصراحته  في التعبير عن رأيه، فلم يتوانوا عن تناسي دوره الكبير في خدمة شعبه ووطنه وحزبه وأفكار العدالة والتقدم .لكن ذاكرة الناس وفية ونبيلة، وما تركه نبيه رشيدات في قلوب عارفيه من محبة واحترام لن يمحوه التحامل ونكران الجميل.

الكثيرون ممن أساؤوا، ولو بكلمة، لهذا المناضل الكبير، أحسّوا بالندم، فهل يشعر ذوو القربى، أنهم أخطؤوا بحقه؟ فقليل من الندم قد يطهّر النفس من بعض آثامها.



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|