المعارضة من الداخل... لعبة سياسية قديمة لحكومات إسرائيل !

 
نبيل عودة 02/12/2009
 
  

المعارضة من الداخل...

لعبة سياسية قديمة لحكومات إسرائيل !

بقلم: نبيل عودة

 

الخبير في تفاصيل الحياة السياسية في إسرائيل يصاب بالضحك من تمثيلية عضو الكنيست الليكودي، داني دانون، والجناح اليميني المتطرف، الذي جمع 500 توقيع من أعضاء مركز حزب الليكود، ضد تجميد البناء في المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة. وبحسن معرفتي لخبايا السياسة في إسرائيل اقول أني لا أعرف جناحاً آخر في الليكود، حتى بيبي نتنياهو لا يمثل الا نفس الجناح، ولكن الجالس في مكتب رئيس الحكومة في القدس الغربية، مقيد بشروط ليست من خياراته: حسابات ائتلافية، حسابات علاقات استراتيجية مع راعية الولد العاق، والتي بدونها تصبح إسرائيل مسادة جديدة، متطلبات الواقع الدولي، خاصة موقف دول السوق الأوروبية المشتركة، المؤثرة أقتصادياً، والتي تحاول إسرائيل ان تضمن معها علاقات تجعلها أشبه بكونها عضواً بالمجموعة الأوروبية، اقتصادياً وثقافياً ورياضياً ونظام دولة.. الخ.

والحل؟

 إسرائيل منذ نشأتها، تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول. وتواصل الخداع بأساليب متنوعة، بعضه يمكن تسويقة وبعضه الآخر بات بضاعة فاسدة من كثرة استعماله. وواضح ان وصول إدارة جديدة الى البيت الأبيض، ممثلة بجيل أمريكي جديد، وفكر سياسي مختلف نسبياً، ولكنه غير بعيد في قواعده، بما يخص النزاع في الشرق الأوسط، عن نفس المواقف لأكثر الأنظمة الأمريكية دعماً لإسرائيل. وأعني نظام بوش سيئ الصيت، الذي كان يرفض أيضا الاستيطان ولكنه يتغاضى عن ابنه العاق ويرعى مصالحه حتى لو عرضت المصالح الاستراتيجية الأمريكية لبعض المشاكل، ولكنها مشاكل مع دول بلا عمود فقري، ولا ضروة للتوضيح من هي الدول التي أعنيها.

هذا الأمر يبدو انه انتهى مع وصول فكر جديد يمارس سياسة نظيفة أكثر وعقلانية أكثر.. ونأمل ان يتعمق هذا النهج.. رغم ما شاهدناه من تراجعات، وعدم مثابره، بل وتناقض بين وضوح موقف الرئيس اوباما، وتردد موقف وزيرة خارجيته، هيلاري كلينتون، التي كما يظهر تفكر بالرئاسة مستقبلاً، وعليها ضمان أصوات اللوبي اليهودي القوي والمقرر نسبياً في نجاح المرشح الرئاسي مستقبلاً أيضاً. اوباما اعتمد على تحريك القوى السوداء وهذا يحرره بعض الشيء من اللوبي اليهودي.

الانتفاضة في مركز الليكود ضد تجميد الاستيطان، هي سياسة إسرائيلية قديمة. بدأت منذ أول حكومة بعد تشريد الشعب العربي الفلسطيني، وكنت قد سردتُ تفاصيلَ ذلك في مقال سابق، وأعيد تسجيل تفاصيل هذه اللعبة السياسية الإسرائيلية، التي صرنا نعرفها، تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول، والدنيا باقية بألف خير، السيد في البيت البيض لن يجرؤ على إظهار عقوقنا.. وبالتالي اوروبا في نفس الثلم الأعوج..

 

قرار نتنياهو بتجميد البناء في المستوطنات، ما عدا ما يسميه بناء مراكز جماهيرية، متجاهلاً ان الهدف من تجميد البناء هو الخطوة الأولى لفك المستوطنات وسحب سوائب المستوطنين. وإعادةالأرض لأصحابها الشرعيين، الشعب الفلسطيني في دولته فلسطين.

كل من يتوهم ان نتنياهو يختلف عن ال 500 عضو مركز ليكودي، يعيش في أوهام.

 نتنياهو يكرر لعبة سياسية إسرائيلية قديمة، بطلها بن غوريون ووزير خارجيته في وقتها موشيه شاريت.. وذلك في فترة الرئيس الأمريكي ترومان.. إذ بعد قيام إسرائيل (1948) وتشريد مليون فلسطيني من وطنهم، والتغطية الدولية على فضائح التطهير العرقي وجرائم الحرب التي لا تختلف عن أي جرائم ارتكبت ضد أية مجموعة سكانية في العالم، وخاصة جرائم النازيين ضد اليهود، وهذه بشهادة المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه.. طرحت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بحدة أمام المحافل الدولية.

 ترومان ضغط لإعادتهم إلى المناطق المخصصة للدولة الفلسطينية حسب قرار التقسيم، والتي أطلقت عليها إسرائيل (عام 1948) اسم "المناطق المدارة "، تماماً كما أطلقت نفس التسمية على المناطق التي احتلتها بحرب عام 1967،.. أي لم تُضَم رسمياً إلى إسرائيل في 1948. وواضح أن المسالة مؤقتة والضم زاحف.. وقتها اقترح بن غوريون على وزير خارجيته أن يبلغ الرئيس الأمريكي باستعداد إسرائيل على إعادة100 ألف لاجئ فلسطيني مقابل شرط تعجيزي بأن تعترف الدول العربية بإسرائيل، والمتوقع مراضاة الرئيس الأمريكي، وإظهار العرب كرافضين.. اذ لا يمكن لأي منطق سياسي ان يقبل إعادة10% من اللاجئين فقط...

واضح ان الإدارة الأمريكية ما كان لها ان تشتري هذا التنازل الإسرائيلي. وهنا بدأت حكومة بن غوريون لعبتها السياسية الشبيه بما يجري اليوم بين نتنياهو ومركز حزبه وأعضاء الكنيست من حزبه.

بن غوريون اتفق وقتها مع وزير خارجيته شاريت بأن يوعز لأعضاء حزبه (حزب المباي وقتها) في الكنيست أن يهاجموا الحكومة على "كرمها" وقبولها عودة 100 ألف لاجئ إلى مناطق تحت إدارة إسرائيل وليسوا ضمن دولة إسرائيل رسمياً، أي لم يُضمُّوا لدولة إسرائيل رسميا بعد.. وهذا ما حدث.. تعرضت حكومة بن غوريون لهجوم المعارضة وأعضاء حزبهم في الكنيست، وظهروا أمام ترومان "مساكين" مقيدين برفض الكنيست الشامل، وبنفس الوقت يجابهون برفض عربي... وأن رئيس الحكومة مقيد ولا يقدر ان يلبي كل طلبات الصديق الأمريكي. وعليه يجب ان يتفهم الصديق الأمريكي، كما برز ذلك بتراجعات السيدة كلينتون عن التجميد الشامل للبناء في المستوطنات، بتجاهل لأمر أساسي، ان الهدف ليس وقف البناء فقط، انما وقف الاستيطان وكنسه. واستمرار البناء يعني ان نوايا إسرائيل مصادرة الأرض، ضم المستوطنات، وتحويل المساحة الفلسطينية المتبقية لشبه دولة، كنتونات أقرب في مضمونها للمحميات الهندية، التي حُصر فيها الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية... فما هي اذن فائدة المفاوضات مع الشروط المسبقة العملية التي تفرضها حكومات إسرائيل كلها، وبغض النظر عمن يجلس في كرسي رئاسة الحكومة؟

 هل نصدق ما يقولون ام ما ينفذون؟

 

السؤال الأول الذي يتبادر الى الذهن، هل الإعلام العربي يخدم حقاً القضايا العربية والمصالح الاستراتيجية العربية؟ هل هناك وعي كامل لما يدور من خداع أخطر حتى من تصريحات وزير خارجية يميني فاشي (أفيغدور ليبرمان) مواقفه لا تحتاجه الى توضيح إعلامي؟

والسؤال الثاني، هل استطاع الخطاب السياسي العربي ان يحتل مكانه على الساحة الإعلامية الدولية كمعبر عن مصلحة وطنية،سياسية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية وأمنية لأكثر من 350 مليون عربي؟.. وليس فقط لقضة شعب عربي صغير ويعاني منذ أكثر من نصف قرن من حياة الذل في الدول العربية أيضا؟.

للأسف الجواب على السؤالين هو سلبي تماماً.

حقا يوجد إعلام عربي دولي، ما هي قيمته، ما هي قوة تأثيره؟ هل من قيمة للمواقف السياسية العربية؟ هل من وزن نوعي للدول العربية على الساحة الدولية؟ هل من تأثير على اقتصاديات العالم، كتغطية للسياسة العربية؟ هل من تنسيق عربي واضح المعالم ومتواصل عبر مراحل، ام سياسة العودة الى نقطة الصفر لنبدأ كل مرة من البداية المذلة؟ يدنا من تحت، طلباً للرحمة واستجداء للحفاظ على بعض ما تبقى من كرامة وطنية وأخلاقية؟.

الموضوع ليس ديباجة لغوية. انما نهج يعتمد على قوة سياسية مؤثرة. وهذه للأسف غائبة.

البارز في الإعلام العربي هو تحوله الى بوق للقوى المسيطرة في المجتمعات العربية وفي السياسة العربية. قوى معادية للدمقراطية، معادية لحقوق الإنسان، معادية لمساواة المرأة، غير قادرة على بناء نظام عربي حضاري يفصل بين المؤسسات، أنظمة تتفشى فيها الأمية الرهيبة، أنظمة تندمج مع الفكر الأصولي المتخلف والمعادي لأي فكر تنويري... لدرجة ان الفتاوى الدينية المضحكة والمثيرة للاستهجان أضحت مميزاً إعلامياً عربياً يُضحك العالم على مستوانا الفكري المتدني. فهل يتوقع أحد ان يقيم اعتباراً لمثل هذا التخاذل والتشرذم، الفكري والعقلي العربي؟.

المثقفون العرب المتنورون، ينشطون خارج أوطانهم.. صوتهم لا يكاد يسمع. من الصعب حتى دخول بعض مواقع الانترنت غير المرضي عنها من بعض الأنظمة. وبوجود أمية رهيبة في انتشارها، وفقر مدقع واسع الشمول للجماهير العربية، لا أرى أي آفاق لعصر عربي جديد.

سنشتم اوباما.. ماذا نملك غير ذلك؟.

سنتهم الاستعمار والصهيونية.. لماذا لا نتهم قصورنا وتخلفنا؟

سنؤلف الأناشيد التي ترفع المعنويات، وصور ما يظهر من صدر وسيقان هيفاء وهبه يشغل الصحف العربية ومصوريها أشهراً طويلة أكثر مما تشغلها قضية الأراضي المحتلة او قضايا الفقر، او تخلف الجامعات العربية او البطالة القاتلة، او الفساد السلطوي. ونختلف على انواع الزواج الشرعي، وهل هي خمسون نوعاً فقط أم مائة نوع!!.

غياب هذا الإعلام المبتذل، أفضل لصورتنا الدولية، وأفضل لتحرير المواطن العربي من فكر الإعجاز والخوارق والإيمان بالشواذ، التي تغطي على فساد الأنظمة وفساد التعليم واستمرار التخلف والعنف والفكر الإرهابي ضد كل مختلف فكرياً ودينياً وإثنياً.

المضحك ان بعض المواقف الفلسطينية لم تتحرك عن المواقف السابقة لنكبة 1948، أقول هذا بألم. النكبة لم تكن خيارنا، وهزيمة 1967 لم تكن بإرادتنا، و"انتصارات العرب" في العام 1973 لم تجلب الا المزيد من الإذلال والضياع للشعب الفلسطيني والشعوب العربية.

 العراق، الذي كان يملك الإمكانيات للتطورالاقتصادي والعلمي وبناء قوة عربية، جرى توريطه بحرب غبية، ثم استكمل التدمير، بحرب الكويت، بمشاركة عربية، وفيما بعد بعدوان دولي ورضاء عربي. وبنفس الوقت لا أدافع عن نظام صدام حسين ودوره في جر العراق الى ما هو عليه اليوم. ولكني لا أستثني الدور العربي المخجل والمتخاذل والمتعاون في تدمير العراق، العراق ليس صدام حسين فقط، بل عراق الشعب والتاريخ والحضارة والتقدم، وهناك ألف وسيلة أخرى غير التدمير الذي فتح أبواب جهنم، اليوم في العراق، وربما غداً في دول عربية أخرى!.

اليوم نتوهم ان قنبلة ايران النووية ستؤمن رحمة وسنداً للعرب متجاهلين ان المشروع الفارسي أكثر خطورة من المشروع الصهيوني، وربما جانب هام من الصراع الإسرائيلي إيراني هو على مناطق النفوذ مستقبلاً في عالم عربي خامل ويفتقد لمقومات الدول..

 لا يسعني انهاء مداخلتي قبل التطرق للخطة التي قدمها الدكتور أفنان القاسم، وأعرف ان قوى يهودية عقلانية اهتمت بتفاصيل الخطة..

قبل كل شيء ليس بالصدفة أن مفكراً عربياً بارزاً، مثل الدكتور أفنان القاسم طرح خطة جريئة لحل النزاع الفلسطيني إسرائيلي، برؤية عقلانية للواقع وبمعرفة كاملة للقصور العربي المتواصل منذ غياب الزعيم الوحيد الذي تصرف كرجل دولة وبغيرة قومية، وبتمسك كامل بالكرامة العربية، رغم ما أحاط به من فساد داخل نظامه نفسه.

خظة الدكتور أفنان تصلح كقاعدة لجمع الكلمة الفلسطينية أولاً، قد نختلف حول العديد من بنودها، وهذا مشروع، ولكنها قاعدة هامة لتبنيها في الظروف الصعبة للواقع الفلسطيني والعربي، على الأقل قاعدة لحوار فلسطيني داخلي، وأعتقد أيضاً ان الدكتور أفنان لم يطرح خطته كأمر نهائي لا يقبل النقاش والتطوير.. بدون موقف فلسطيني موحد، ورؤية كاملة، مرحلية، لا أرى اننا سنتقدم نحو الحل. العالم عنده مشاكل أكبر من فلسطين وإسرائيل. والظن ان الوسيط الأمريكي يملك حلولاً سحرية، بينما نحن ننتظر، هو ظن قاتل.. من هنا رؤيتي ان خطة أفنان يجب ان تثير حواراً فلسطينياً وعربياً.. هذا البرود والخمول الفكري يخيفني ولا يطمئنني على ما يطرح من أفكار، وما يجري من تطورات، يمكن تلخيص ردود فعلنا عليها بأنها انفعالية.

الواقع يثير التشاؤم.. ومع ذلك، الاستسلام للواقع.. جريمة!

 

نبيل عودة – كاتب، ناقد وإعلامي فلسطيني – الناصرة

Nabiloudeh@gmail.com

 

 

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|