قدرك أن تحزم حقائبك وترحل إلى حيث لا ترداد لأيّ صدىً.
قدري ممارسة انتظارك مع باقة أوراق بيضاء وريشة تعانق زجاجة حبر يحتضن قطراته الأخيرة.
تنزف الأحرف كلمات عشوائيّة، ألتقطها، وأسرع بها إلى تاريخ لا يعترف بجغرافيا رفعت بيننا جبالاً من الغياب غافلة عن عناء تدوين تاريخ اجتيازها، أو ربّما، أغفلته.
من تاريخنا أستجدي الفواصل، فلتقرأ مشيئتي بين النقاط...
"أُترُك حقائبك. لن أتسلّلْ. لن أختبئَ بين ثيابكَ وبقايا لمساتك عليها. لن افتحَ حقائبك. أخافُ من لهفتي، لو فعلْتُ، أن تجرحَ أظافر جنونها رائحة عطرٍٍ نسي أن يغسلها الغياب.. أخافُ أن تصيب أطرافي قضمة صقيعٍ تختبئُ بين خيطان قمصانك المحفوظة في ثلاّجة الرّحيل.. وأخاف، أخافُ أن يغريني رحيقُ زهرةٍ نسيتَ أن تخفيها بين صفحات كتاب، في انتظار مواسم الجفاف الآتية.
ببساطة وموضوعية تآمر علينا الرحيل، أفسحَ لك مكاناً في قطار الغربة وترك لي ساحات المحطات ألهو عليها عاريةً بلا حضور.
كيف تلهو الطفلة، عمراً، على محطة انتظار واحدة؟
من تراه يعثر على حذاء الأميرة؟
من يعيده إليها وثلج القلوب أقفل الطرقات؟
ربّما، بعد أجيالٍ من الانتظار الفاشل، تذيب الثلوج حرارة شمس أشرقت في فضاء كون آخر، فأرتدي الحلم زيّاً تنكّريّاً يقيني شرّ الفراغ منك، وأعلن غزواً همجياً على ذاكرة الحقائب المعصومة عن النسيان.
لن أفتحها حقائبك. أعرفُ لو تلاشى العطر وسقط دفؤك في برودة الغياب، لن تنفعني الحقائب في رحلة الذكريات.
تأخذها، أو تتركها، لا فرق. لن أفتحها.
ما يقلقني اليوم، في بعادي عنك، هي رسائلي التي أكتبها إليك، أرسلها وأثق، أثق أنها ستبقى سجينة بريد لن يصل".