مفارقات ثقافية في الثقافة العربية داخل إسرائيل..!!

 
نبيل عودة 03/02/2010
 
 

مفارقات ثقافية في الثقافة العربية داخل إسرائيل..!!

بقلم: نبيل عودة

 

 

استمعت قبل فترة غير طويلة الى لقاء ثقافي، أشعرني كم هي مسكينة ثقافتنا، وكم يجري فيها من تهريج رسمي. وكم تعاني من تضليل وتسويق للأوهام... خاصة وان المشاركين فيها من أعلى المستويات الأكاديمية... ولا أريد ان أوضح أكثر، حتى لا تستعمل ضدي صواريخ ما بعد بعد حيفا. وأرجأت التعقيب لعله ينزل من دماغي، ويريحني من التعرض مجبراً لهذا اللون الثقافي السلبي، راحة لي وراحة للآخرين. غير اني لم أستوعب موقفي الانهزامي، ولم أتعود عليه.

ذلك الحوار استفزني بشكل غير مسبوق. صحيح ان واقع ثقافتنا يثير الحزن والمفارقة. الحزن على سقوط الثقافة المحلية في هلاميات غيبية، بحيث بات، أحيانا.. إطلاق صفة ثقافة من باب التشبيه. والمفارقة ان ثقافتنا التي أعطت العالم العربي رؤية ثقافية تجديدية ثورية، في ظل أصعب ظروف سياسية واقتصادية وحصار قومي واجهت الجماهير العربية الباقية في وطنها، تتقوقع اليوم، في ظل واقع أكثر دمقراطية وانفتاحاً بما لا يقاس، داخل نطاق لا يرى أبعد من أرنبة الأنف.

صحيح ان هذه المفارقة تطرح أسئلة أقرب لعلم النفس وسيكولوجية الانسان، الذي يبدع في ظروف القمع والإرهاب ثقافة لا تموت، ولكن الوصول الى حرية سياسية نسبية واسعة جداً، وكسر الحصار الثقافي والقومي، يقود الى نتائج سلبية، وثقافة متهاوية؟

هل هذه قاعدة صحيحة لكل الثقافات؟

لا أنفي تأثير الإرهاب والقمع على نشوء ثقافة مقاومة، ثقافة نضال، ثقافة مسؤولة وذات حس بارومتري لكل ما يجري في مجتمعها. ولكني لا أفهم هذا التردي في ثقافتنا، ونحن نملك موروثاً ثقافياً نضالياً حضارياً اخترق حواجز التعتيم والحصار وأضحى نموذجاً يحتذي لكل الثقافات تحت الحصار والقمع. والأهم ان التحديات أمامنا لم تنته بل اختلفت أساليبها، ما زلنا أقلية مميز ضدها، مضطهدة، مصادرة الحقوق الوطنية، وفي قاع السلم الاجتماعي – الإقتصادي بالمقارنة مع المجتمع اليهودي. هل أنستنا مساحة الدمقراطية وتطور مستوى حياتنا النسبي، اننا أبناء لشعب مسلوب الحقوق القومية، مصادر الحرية، مقموع بالحديد والنار؟

تفسيري الوحيد ان التسيب السياسي في مجتمعنا أضحى آفة مرضية، خاصة بظهور التيارات السياسية الشخصانية، والارتداد الى الفكر الغيبي بكل أشكاله، الثورية من ماركسية وقومية والمحافظة بتياراتها الدينية المختلفة.

هناك نشاطات وعناوين جذابة، ولكن قراءة أسماء المشاركين تثبت ان الموضوع لا يخص الثقافة بقدر ما يخص خدمة تيار معين او فئة تظن انها بانغلاقها على أسماء ثابتة، جاهزة للحديث بكل ما يطرح من مواضيع، حتى بشكل سطحي (وغير ثقافي) ولا يتعلق باختصاصاتهم، تزيد من حالة الركود المفزع في ثقافتنا.

الإعلام المسموع والمرئي يجهد، وربما أفضل من الإعلام المكتوب.. ولكني لا أرى ان ما يقدم عبر الصوت والصورة (اي الراديو والتلفزيون) قادر على تحريك الحياة الثقافية. اولاً التوقيت ثانياً محدودية القنوات والإذاعات، ثالثاً بناء برامج على قاعدة السخرة، بل وعدم سد نفقات المشاركة في البرامج، وكأن الأديب مجرد ملصق لتغطية نصف ساعة او ساعة في الإذاعة او التلفزيون. رابعاً فقر ملحوظ في مستوى بعض المشاركين، وهو بسبب الركض وراء أسماء جاهزة للظهور حتى مقابل الدفع من جيبها. خامساً، فقدان الإعداد الثقافي للبرامج، اختصارا للنفقات، او لجهل معدي البرامج بقضايا الثقافة الملحة وارتجالية البرامج. سادساً، الضعف الفكري والثقافي الذي يميز الكثيرين من المشاركين وبعض مقدمي البرامج. سابعاً، فقدان مجتمعنا للوعي الثقافي، وغياب برامج تثقيفية عامة من برامج التعليم. ثامناً، الدور السلبي والتخريبي الذي تلعبه صحافتنا الورقية، التي لم تعد تشعر بأهمية الثقافة والفكر، وأضحت تجميعاً فجاً لمواد بلا رؤية فكرية تنويرية وبلا مفهوم لأهمية الثقافة في الإعلام وفي التأثير على الفكر وعلى الموقف السياسي أيضاً. تاسعاً، غياب كامل للمحرر الثقافي، بحيث أضحت الصفحات الثقافية هي الصفحات الأكثر هزالاً، هذا اذا وجدت مثل تلك الصفحة الثقافية اليتيمة. ولا بد من القول ان ما بات يميز الصفحة الأدبية النشر العشوائي لأعمال أكثريتها المطلقة فجة وبلا قيمة أدبية.. بل وبلا حس لغوي سليم أحيانا!!

كثيرا ما قلت لنفسي: ما بالك تحمل السلم بالعرض، حتى صار التحريض عليك، يقاس بوزن الورق وليس بعدد الصفحات؟.

أليس أفضل لك ان تضع رأسك بين الرؤوس وتأكل من التبن الثقافي وتجعل المخاصي دون جوانات الثقافة والأدب والفكر والسياسة؟.

هل يمكن فهم نفسية مثقف يظن انه وحيد القرن.. أعني وحيد العصر في خربشاته، وان واجب الناقد ان يرفعه ويسنده بخشب الطوبار الثقافي حتى لا يهوى على رأسه وتخسر الأمة العربية "اينشتاين" الأدب..؟.

أليس أفضل لك ولعلاقاتك الثقافية، ومكانتك في الخارطة المخربطة، ان تغير وتتغير وتوقف السلم وتسنده بكل قوتك، ليسهل صعوده، بدل صدم القنانير التي تظن انها صارت رؤوس بصل كبيرة؟.

في الفترة الأخيرة مللت.. واستعملت خشب السلم لموقد الشتاء. فخفّت الغارات وقد استفدت حقا من الهدنة التي فرضتها على نفسي، اذ اغلقت أبوابي ونوافذي عن كل ما لا يسر البال والخاطر من التثاقف والتشاطر وامتنعت حتى عن قراءة الأخبار حول الإصدارات الجديدة، التي سأغامر وأقول لا جديد تحت شمسها، ووجدت نفسي أسد أوقات فراغي بالكتابة الإبداعية التي اشتقت الى رومانتيكيتها واشتاقت الأوراق الى مداد قلمي، فأنتجت عدداً من القصص زاد عن الثلاثين قصة... الى جانب كتابة عدد من المقالات السياسية والفكرية، لم أنشرها باسمي تفادياً لفتح جبهة جديدة ضدي...

ربما حقاً أصير بعد العداء، الذي فزت به بيانصيب ثقافي نادر، حبيباً مطلوباً ترسل له الكتب بالصحاحير ليكتب في إعلاء شأن أصحابها وتقعيدهم في كرسي أمراء الشعر وملوك الكلام المنثور..

وقد أكتب صيغة نقدية واحدة، لا أغير فيها الا اسم الكتاب واسم صاحبة والمقاطع المعتمدة "للمقال النقدي" الذي يدعي بعض منتجيه انه أنجزوا بنقدهم فتحاً مبيناً في الفكر النقدي العربي؟ وهي لمن لا يعلم الطريقة المضمونة لأصير نجم الندوات، وأقصى ما يحلم بالقرب منه صناع السطور الشعرية او النثرية؟ وربما أجبي من ذلك كسباً مالياً يخرجني من ضائقتي الاقتصادية، وأصير اسماً مطلوباً لصحافتنا المحلية التي تفرض على قلمي "مقاطعة عربية حقيقية"، فعالة أكثر من مقاطعة العرب لأسرائيل!!.

كان مستهجنا ان يتحول الحديث الأدبي، في اللقاء الثقافي المذكور، الى مجرد استعراض جمل يكتشف فيها المتحاوران خصوصية صياغة لم يسبق ورودها في نصوص أدبية أخرى.

السؤال: هل هذا هو فهمكم للأدب؟ مجرد صياغات متناثره بلا رابط بما يليها، ام ان الإبداع لا يمكن حصوله الا عبر نص متكامل متواصل بكل تفاعلاته من الكلمة الأولى  حتى الكلمة الأخيرة؟.

وهل من قيمة للمضمون دون ارتباطه بمبنى النص الكامل في فحواه، وبكونه منصهراً، كلمات ومعان في السرد او النظم يقود الى مبنى أدبي بمضمون فكري وفلسفي وجمالي واضح؟.

هل صارت جملة واحدة، هي البديل عن النص كله؟.

وهل مجرد وجود جملة منحوته يجعل صاحبها شاعراً او ناثراً مجيداً؟.

هل الجملة المنفصلة داخل النص، هي الإبداع كله؟.

هل مفهومنا للإبداع بات قديماً، والهدف قراءة صحّارة ورق لإيجاد الجملة العبقرية...؟.

تابعت البرناج وانا على أمل أن أسمع عن جوهر الإبداع وليس هذا الاستعراض الذي لم أدرك دوافعه وضرورته، وكيف يستطع باحث ان يضيع وقته في فرز حبات كيلو سكر اختلطت بطن من الملح؟.

عندما اتحدث عن واقع أدبي مأزوم، فلا يعني ذلك نفيي لوجود إبداع ومبدعين في ثقافتنا. انما يعني ان الظاهرة السائدة في النشر الثقافي، لا تعبر عن مضمون ثقافي، بقدر ما هي انعكاس لعبث الثقافي – لثقافة عبثية. والبرنامج، الذي أتجاهل الإشارة إليه.. زاد قناعتي اننا نفقد بوصلتنا الأدبية ونفقد الميزة الأهم التي تميزنا كمثقفين: المصداقية والجرأة على طرح الحقيقة!!.

وإشارة أخيرة لا بد منها.

نفتقد في إعلامنا كله، الى وجود منابر ثقافية مثابرة. وأدعي ان معظم ما يقدم من برامج ثقافية متلفزة او اذاعية، هو ما دون المستوى، ويهدف الى تعبئة فراغ وليس الى إحداث قفزة. وبدون رؤية إعلامية ثقافية، لن نواصل التقدم الا الى الخلف..

نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com

 

 

 

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|
  04/02/2010
الاسم :   سلام كنجو
عنوان التعليق :   لماذا نحن هكذا ؟
الايميل :   salamkanjo@gmail.com
التعليق :

ألم يكن من المُفترض أن تكون الحرب الكونية القادمة حرب ثقافات( صراع بين الحضارات )؟ ام أنها بدأت دون أن نكلّف أنفسنا عناء الاستيقاظ على دويّها؟

لماذا انطفأ الشرق الذي أنار العالم؟ ما اشد إيلام هذه المفارقات التي تدعو إلى الشعور بالهزيمة دون أن تدعو إلى إعلانها بقدر ما تدعو إلى إشعال فتيل ثورة جديدة على ما بلي واستهلك من أفكار، وربما نستطيع من هذا المنبر إزالة الغبار الذي غطى مفهوم الثقافة والمثقّف ودور المثقّف والرؤية الثقافة.

شكراً لك