فرقة الموسيقى العربية والفنان مصطفى دحلة في أمسية تراثية طربية - القدود الحلبية تصدح في سماء الناصرة

 
نبيل عودة 05/02/2010
 
 

فرقة الموسيقى العربية والفنان مصطفى دحلة في أمسية تراثية طربية

القدود الحلبية تصدح في سماء الناصرة

بقلم: نبيل عودة

 

مرة اخرى يثبت الفنان القدير مصطفى دحلة ان الغناء ليس مجرد حفلة طرب، انما حالة روحانية ترقى بالإنسان الى اعلى درجات السمو الجمالي والاخلاقي.

مصطفى ليس مجرد صوت آخر، ضمن مئات الأصوات الغنائية، انما هو صوت مميز، قدير، مثقف موسيقياً، متمكن من صوته ومسيطر على مخارج الكلمات... وهو الى جانب ذلك، لم يذهب نحو السهل والخفيف في الغناء، بل اختار زبدة الغناء العربي، الفن الذي انبثق منه سيد درويش وسائر عمالقة الطرب في المشرق العربي ومغربه.

هذا هو الانطباع الذي خرجتُ به، من الأمسية الطربية المميزة التي قدمتها فرقة الموسيقى العربية في الناصرة، مع الفنان المتألق دائماً مصطفى دحلة في قاعة محمود درويش الثقافية في الناصرة.

ويبدو واضحاً ان الدمج بين فرقة موسيقية، أضحت منارة فنية موسيقية، تضم عازفين مهنيين، وبعضهم من أبرز الملحنين ومعلمي الموسيقى، وصوت طربي أصيل بمستوى مصطفى دحلة، أعطى للامسية، وللعزف والأداء المتألق، رونقاً فنياً متكاملاً، قل ان استمعنا لمثله، الا في بعض التسجيلات التي أصبحت عملة نادرة، حتى في قنوات التلفزيون المختلفة.

 

فرقة الموسيقى العربية، ولا بد من قول ذلك بوضوح، تحتفل قريباً بعيدها العشرين، وقد قطعت شوطاً كبيراً لتحتل الصدارة الفنية بجدارة، ولتساهم بدورها الكبير في نشر الثقافة الموسيقية الأصيلة. وربما ليس بالصدفة، انها أخذت على عاتقها المحافظة اولاً على التخت الشرقي، وابتعادها عن إدخال الآلات الغربية مما يضفي على عزفها أجواء كلاسيكية نوسطالجية رائعة، تعطي لمتذوقي الموسيقى الشرقية والغناء الشرقي، مساحة من الحنين للماضي الفني المشرق، أضحت في زمننا الحالي نادرة.

الأصوات التي قدمتها الفرقة، باتت تشكل اليوم قوس قزح دائم الاشعاع في أفق الغناء العربي، وتواصل الفرقة، التي يقودها الموسيقي وأستاذ الرياضيات، الدكتور نزار رضوان، الكشف عن أصوات تبشر بمستقبل غنائي كبير.

في أمسية مصطفى دحلة، أعادنا هذا الفنان الكبير الى مرحلة من أروع مراحل الغناء العربي بتقديمه باقة من الموشحات والأدوار القديمة، التي تحمل نكهة فنية دائمة لا يزيدها الزمن الا جمالاً وتوهجاً، وربما لأول مرة، انا على الأقل استمع للقدود الحلبية بهذا الأسلوب الفني الراقي والمتميز، أداءً وعزفاً. وليس كغناء بمناسبات أفراح، حيث الضجيج وأحياناً العزف غير المهني وبدون انضباط...

القدود الحلبية هي من الفنون الموسيقية السورية المنشأ، والتي ظهرت وتطورت بمدينة حلب السورية وبالتالي حملت اسمها.

تطور هذا الفن، في زمن القس السرياني مار أفرام عام 306 ميلادية، عبر دعوة الناس للصلاة في الكنيسة، وكان أفرام السرياني يلجأ من أجل ترغيب الناس بالحضور للصلاة، الى إدراج الألحان الدينية التي يألفونها في حياتهم وأفراحهم، ضمن طقوس يوم الأحد، ومن ضمنها كانت انطلاقة القدود الحلبية التي تعرف باسم قدود مار أفرام السرياني، وهي من أقدم قدود فنية موسيقية ظهرت في سوريا ومدينة حلب بالتحديد، ثم انتشرت وتوسعت على يد العديد من الفنانين والمغنيين من بلاد الشام.

وقد تأثر سيد درويش بهذا الفن الذي اندمج ايضاً مع الموشحات والموال والطقطوقة. وربما يعرف القراء بعض هذه القدود ولا يتخيلون فرحاً يخلو من الصدح فيها، ولا يعرفون انها قدود حلبية، ومنها: يا مال الشام \ قدك المياس \ تحت هودجها.

ونحن، أهل فلسطين، والتي هي تاريخياً وجغرافياً وثقافياً جزءٌ من برّ الشام، نعتبر هذه القدود جزءاً من تراثنا الفني الغنائي، بحيث لا يمكن ان يخلو فرح من أدائها والطرب لكلماتها والرقص على ألحانها.

مصطفى دحلة وفرقة الموسيقى العربية، يؤكدون بتلك الأمسية، ان قديمنا الموسيقي لا يموت، بل يزداد توهجاً مع الزمن... يزداد شوق الإنسان اليه، لأنه ببساطة فن أصيل ينبع من صميم الحسّ الإنساني، معبّراً عن أجمل مشاعر الإنسان.

ان الحفاظ على هذا التراث الموسيقي، ونشره وتثقيفف الأجيال الجديدة عليه، هو ليس مجرد أمسية طربية، انما مدرسة للسمو بالإنسان، وإغنائه جمالياً وثقافياً، بأروع ما في الفن العربي والموسيقى العربية، وحفاظاً على التراث، حفاظاً على الهوية الثقافية، حفاظاً على الانتماء الذي لا قيمة للإنسان اذا فقد صلته به.

نبيل عودة – كاتب ناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|