الروس يقرؤون الآن رفاعة الطهطاوي بفضل فاليريا كيربتشنكو

 
د. أحمد الخميسي 05/02/2010
 
 

الروس يقرؤون الآن رفاعة الطهطاوي

بفضل فاليريا كيربتشنكو

د. أحمد الخميسي

 

 

قطع رفاعة رافع الطهطاوي نحو مئة وخمسة وسبعين عاماً إلى اللغة الروسية ليصبح كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" (1834) مقروءاً الآن في روسيا بعد أن ترجمته أستاذة الأدب المستشرقة عاشقة الثقافة المصرية المعروفة د. فاليريا كيربتشنكو التي نعتز بوجودها غاية الاعتزاز، ثم تمكنت - في ظروف يتعثر فيها النشر- من إصداره في سلسلة "الذخائر الأدبية" التي تطبعها أكاديمية العلوم الروسية. وللقارئ أن يتخيل حجم الصعوبات التي تواجه المترجم – وهو يعلم مسبقا أنه يبذل جهده مجاناً تقريباً - حين يعكف على كتاب ممتليء بكلمات وصياغات بعضها صار مهجوراً أو غير مفهوم!.

وقد أضافت د. كيربتشنكو للكتاب الأصلي ملحقاً في نحو سبعين صفحة تعرض فيه للقارئ الروسي حياة وأهمية ودور الطهطاوي وتقول فيه إن كتابه "تخليص الإبريز" كان "الخطوة المصرية الأولى لانفتاح مصر على أوروبا" في ظل النهضة التي قام بها محمد علي والتي تقارنها د. كيربتشنكو بنهضة روسيا عهد بطرس الكبير، كما تعرض لطبيعة ترجمة الكتاب إلى اللغات الأخرى خاصة الفرنسية، كما أضافت د. كيربتشنكو صوراً لبعض الوثائق المتعلقة بحياة الطهطاوي إلى الكتاب.

والحق أن فرحتي بصدور هذا الكتاب لاحدَّ لها، أولا لأنه كتاب رفاعه الطهطاوي الذي خرجت من معطفه الثقافة المصرية الحديثة، وثانياً لأن د. كيربتشنكو مازالت قادرة على العطاء المثمر الجميل وهي تحتفل بعيد ميلادها الثمانين، أطال الله في عمرها ومتعها بالصحة، وثالثاً لأن هذا الكتاب هو خير دفاع عن الثقافة العربية ودورها واستنارتها في الخارج.

يقول بهاء طاهر في كتابه (أبناء رفاعه): "إن مصر تدين للطهطاوي بأكبر فضل في التغيير الثقافي الذي غير وجه الحياة إذ أرسى مثل الحرية والمساواة والأخوة الوطنية". وقد كانت رحلة رفاعة من طهطا إلى القاهرة ومنها إلى باريس هي رحلة خروج مصر من الظلام إلى النور معتمدة فقط على حدسها وعزمها وذكاء أبنائها واستشرافهم لكل مشهد للعلم والتقدم. يعلم القارىء أن رفاعة ولد في أكتوبر 1801 في طهطا بمحافظة سوهاج التحق بالأزهر وهو في السادسة عشرة، وبعد ست سنوات صار مدرساً في الأزهر. عام 1826 تم اختياره إماماً للبعثة المصرية العلمية إلى فرنسا، وهناك بمبادرته الخاصة تعلم الفرنسية، فضمته الحكومة لبعثتها. عاد إلى مصر عام 1831 وتقدم باقتراح لمحمد على لانشاء مدرسة الألسن للترجمة التي خرجت أولى دفعاتها عام 1839، وعلى يديه ظهر أول قرار بتدريس العلوم والمعارف باللغة العربية، وأصدر جريدة الوقائع بالعربية بدلاً من التركية، وعندما تولّى عباس الأول الحكم أغلق المدرسة ونفى رفاعة إلى السودان، وعاد من منفاه عام 1854. أصدر مجلة "الروضة" وترجم ما يزيد عن خمسة وعشرين كتاباً. ترك مؤلفات عديدة منها مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية ـ المرشد الأمين في تربية البنات والبنين ـ القول السديد في الاجتهاد والتجديد وغير ذلك. لكن القارئ لن يتعرف إلى عظمة ذلك العالم الكادح الذي خرجت من معطفه الثقافة المصرية الحديثة ولن يتعرف إلى مدى استنارته المذهلة إلا إذا علم بما احتوته وثيقة زواجه التي خطها بقلمه وسجل فيها: "التزم كاتب هذه الأحرف رفاعه بدوي رافع لبنت خاله المصونة الحاجة نعيمة بنت العلامة الشيخ محمد الفرغلي أنه يدخل بها وحدها على الزوجية دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية.. فإذا تزوج بزوجة أيا ما كانت، كانت بنت خاله طالقة بالثلاثة وكذلك إذا تمتع بجارية.. ولكن وعدها وعداً صحيحاً أنها مادامت معه على المحبة المعهودة.. لن يتزوج بغيرها أصلاً ولن يخرجها من عصمته حتى يقضي الله لأحدهما بقضاء"!. هذا العقد سجله رفاعة عام 1839 وختمه بختمه!.

تستحق د. كيربتشنكو في مؤتمر الترجمة القادم الذي يعقده المركز القومي للترجمة تكريماً خاصاً يحيي جهدها وعملها ويرسل لها تحايا التقدير الحقيقي من القاهرة إلى موسكو.

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|