ستون عاماً على كتاب: (من هنا نبدأ)

 
عطيّة مسُّوح 05/02/2010
 
  

ستون عاماً على كتاب: (من هنا نبدأ)

عطيّة مسُّوح

 

مرّ ستون عاماً على صدور (من هنا نبدأ)، وهو الكتاب الأول للشيخ خالد محمد خالد. فقد صدر في شباط 1950، فأثار زوبعة من النقاشات الحادة والحملات الفكرية والسياسية والمنازعات القضائية ذكرت القراء والمثقفين بما أثاره كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين و(الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق.

صودر الكتاب في 7 أيار 1950 ثم أفرج عنه بقرار من محكمة القاهرة الابتدائية بعد عشرين يوماً من مصادرته. لكن المصادرة زادت رغبة الناس في الاطلاع على هذا الكتاب، فانتشر انتشاراً واسعاً وطبع ثماني مرات في السنوات الأربع التي تلت صدوره، ثم تتالت طبعاته حتى أواخر الستينيات بمعدل طبعة كل ثلاثة أعوام.

حمل كتاب (من هنا نبدأ) بدايات مشروع خالد محمد خالد التنويري النهضوي، هذا المشروع الذي اكتمل في كتبه الأخرى التي صدرت حتى أواسط الستينيات. أما ما كتبه بعد ذلك فهو إما تجوال في الدائرة ذاتها وتكرار للأفكار التي تضمنها المشروع، أو خروج عليه لا بمعنى مناقضته بل بمعنى مجاورته بموضوعات أخرى قد تؤكده ولكنها لا تضيف إليه.

لمَ نقول إن الشيخ كان صاحب مشروع؟

لأن ما قدمه وكرّس جهده من أجله يجمع بين ثلاثة جوانب لا بد من توفّرها كي نطلق على دعوة ما أو نشاط فكري معين اسم مشروع. وهذه الجوانب هي:

ـ قراءة الواقع قراءة نقدية تحدد سلبياته الكبرى من خلال تجلياتها المختلفة.

ـ اقتراح البدائل التي تكفل ـ برأي صاحب المشروع ـ تغيير الواقع وتجاوزه، أي النهوض بالمجتمع.

ـ عدم الاقتصار على جانب واحد أو جوانب محددة، بل انسياح القراءة على كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وشمول البدائل والحلول للجوانب المذكورة كلها.

وحين نصف مشروع خالد بأنه تنويري، فلأنه يتجه إلى معالجة مشكلة مركزية هي الجهل وانغلاق العقل، فيسعى إلى هزّ عقول الناس وتغيير مناهج تفكيرهم في أمور الحياة وفهمهم للدين والسياسة والواقع الاجتماعي.

وحين نقول إنه مشروع نهضوي، فلأنه يرمي إلى متابعة النهضة العربية، ويضع اليد على أهم مفاتيح التقدم ومقوّماته.

لا يترك خالد جانباً من جوانب الحياة الاجتماعية دون أن يتطرق إليه. فهو يبحث في الثقافة ويضع ما يراه مناسباً لنشرها وإعطائها بعداً شعبياً ومحتوى إنسانياً. ويبحث في وضع المرأة من منطلق الحرص على المساواة بين الجنسين وإطلاق طاقات المرأة في مجتمعنا كي يحلّق هذا المجتمع بجناحيه ويتنفس برئتيه معاً. ويتناول التعليم والقضاء والإدارة والنظم السياسية وحرية الإنسان وحقوقه، ومنها حقه في التفكير والتعبير عن رأيه والمشاركة في الحياة السياسية مشاركة فعالة. ويفرد حيزاً كبيراً لمسألة العدالة الاجتماعية وعلاقتها العضوية بالحرية. كل ذلك يبحثه الشيخ بلغة سلسة عذبة، ومفردات قريبة من فهم الناس ومخزونهم المعرفي الثقافي والديني.

هذا الشمول، مع الجرأة في الطرح والجدة في الأفكار جعلت الشيخ مفكراً ديمقراطياً وتقدمياً مهماً، وجعلت مشروعه أحد أهم المشاريع النهضوية التي طرحت في أواسط القرن العشرين.

وبعد ستين عاماً على بدايات هذا المشروع،  نجد أن ما تضمنه، بدءاً من كتاب (من هنا نبدأ) ومروراً بكتب أخرى للشيخ خالد مثل (مواطنون لا رعايا) و(الديمقراطية أبداً) و(هذا أو الطوفان) و(لكي لا تحرثوا في البحر) وغيرها، ما يزال في كثير منه صالحاً للاستلهام، ولإثارة وجدان الناس وتسليحهم بأفكار واضحة حول واقعهم ومستقبلهم.

كان خالد حريصاً أشد الحرص على تأكيد العلمانية، ولعل أهم ما يبيّنه الاطلاع على مشروعه هو أن الدين والعلمانية يمكن أن يتعايشا، بل يمكن أن يكون رجال الدين والمتدينون علمانيين، بمعنى أن للدين ـ أي دين ـ مجالاته الروحية والقيمية، وللدولة والسياسة مجالاتهما المادية والإدارية. أي بمعنى أن فصل الدين عن الدولة والسياسة لا يؤثر تأثيراً سلبياً على التدين في المجتمع، بل يحمي الدين والتدين من تقلبات السياسة ونزعتها العملية والذرائعية، ووسائلها التكتيكية التي قد لا تنسجم دائماً مع روحانية الدين وتساميه.

إن من يقرأ كتاب (من هنا نبدأ) يجد أنه أمام كتاب معاصر، كأن السنوات الستين لم تغلفه بغبارها ولم ترمِ به على رفّ بعيد من رفوف المكتبة العربية، وكذلك الكثير من مؤلفات خالد والنهضويين العرب في النصف الأول من القرن العشرين.

لكن مشروع خالد النهضوي، لم يجد قوى اجتماعية تحمله وتحوّله إلى قضية. بل إنه ضاع، إن لم نقل سُحِقَ، بين مواقف القوى اليمينية والقوى اليسارية في أواسط القرن العشرين. فاليمينيون حاربوا هذا المشروع، وحاربوا صاحبه لأنهم رأوا فيه مفكراً يسارياً يدعو إلى العدالة الاجتماعية. واليساريون حاربوه لأنهم لم يستطيعوا أن ينسوا أنه رجل دين أزهري. وكان لهذين الموقفين المتناقضين من حيث الدوافع نتيجة واحدة هي إضعاف هذا المشروع شيئاً فشيئاً إلى درجة إهماله. وقد ساعدت الظروف على هذا الإضعاف وهذا الإهمال. فقد طرح الشيخ مشروعه في مرحلة صعود المشروعين القومي والاشتراكي وامتدادهما شعبياً، فكان الناس مشدودين إلى ما هو أكثر (جذرية) و(عمقاً)، وخاصة حين حققت الحكومات التي عبرت عن المشروع القومي والاشتراكي منجزات واضحة للكادحين.

لكن تعثُّر هذين المشروعين، ودخولهما في مآزق أفقدتهما بريقهما وجاذبيتهما، وتراجع مدهما الشعبي، يمكن أن يدفعنا من جديد إلى تلمّس وسائل النهضة ومفردات المشروع النهضوي المنشود بالأخذ بما نراه صالحاً من أفكار النهضويين العرب، ومن أهمهم خالد محمد خالد، ودمجه بمقتضيات عصرنا ومستجداته والسير به على إيقاعاته، وقراءة الوقائع الجديدة واستنباط ما هو مفيد وممكن من الحلول والمعالجات.

صحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه، ولا يمكن لمشروع وضع منذ ستين عاماً أن يكون صالحاً اليوم صلاحاً كاملاً، لكن الكثير من مشكلات العرب، المشتقة من التخلف وضعف العقلانية والديمقراطية، ما تزال مستمرة منذ بدايات القرن العشرين، وبالتالي فإن الكثير من أفكار النهضويين ومعالجاتهم الأساسية ما تزال مفيدة وملهمة.



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|