بن يهودا وإحياء اللغة العبرية الحديثة

 
بروفيسور حسيب شحادة 06/02/2010
 
  

بن يهودا وإحياء اللغة العبرية الحديثة

بروفيسور حسيب شحادة *

 

“إحياء” هي اللفظة المستعملة عادة في هذا السياق بالرغم من عدم ملاءمتها، إذ لا يمكن إحياء لغة ميتة. وبدأت عملية “الإحياء” هذه في كل من أوروبا والديار المقدسة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. وتمخّض عن هذه العملية في آخر المطاف تحويل اللغة العبرية من لغة مكتوبة ولغة الليتورجيا إلى لغة محكية ولغة قومية للشعب اليهودي كتابة وحديثاً مع أن زهاء نصف هذا الشعب لا يتكلمها.

والجدير بالذكر أن قرابة ربع الناطقين بالعبرية الحديثة هم عرب فلسطينيون، يحمل معظمهم الساحق الهوية الإسرائيلية. ومن المعروف أن العبرية الحديثة هذه أصبحت اللغة الرسمية في فلسطين عام ١٩٢٢ بجانب العربية والإنجليزية، وبعد قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ صارت العبرية عملياً، اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد. وعملية الإحياء هذه لم تتحقق بمعزل عن نشاطات أخرى متعلقة بالحركة الصهيونية وتوسع الاستيطان اليهودي في فلسطين وتعدد أجناس اليهود المهاجرين إلى البلاد واختلاف لغاتهم وثقافاتهم. وهذه الظاهرة، تحوّل لغة مكتوبة بعد سبعة عشر قرناً ونيّف، إلى لغة محكية عادية بعد عقود قليلة من العمل الجاد من أجل ذلك، تُعتبر ظاهرة مستحيلة في علم اللسانيات المعاصر. الاتجاه المعاكس، تحوّل لغة محكية لأقلية ما إلى لغة عامة، أمر معروف في التاريخ اللغوي. ومن المعروف أن العبرية كانت لغة محكية خلال أقل من خمسة عشر قرنا منذ الثالث عشر ق. م. وحتى أوائل القرن الثاني م. وهذه اللغة العبرية الحديثة مستمدّة من مصدرين أساسيين، داخلي: لغة ثلاث مراحل العبرية السابقة، لغة العهد القديم، لغة المشناة والأدب الرباني، وعبرية القرون الوسطى، والمصدر الثاني خارجي: لغات أجنبية متعددة وفي مقدمتها الإيدش وتليها الإنجليزية والروسية والفرنسية والآرامية والعربية. واليوم في العبرية ثلاثة أنماط للفظ: اللفظ الإشكنازي حيث بقيت الحركات كما هي إلا أن لفظها اندثر كما حدث بالنسبة للعديد من الحروف، الأصوات الصامتة وكذلك بالنسبة لموضع النبر والسكون المتحرك والشدّة الشديدة. اللفظ السفاردي الذي كان سائداً لدى يهود إسبانيا وإيطاليا ودول عربية عديدة وفيها بقيت الأصوات الصامتة كما هي وكذلك النبر والسكون والشدة. فيها خمس حركات فقط لعدم التمييز بين الپاتاح والقاماتس من جهة والتسيري والسيجول من أخرى. اللفظ اليمني حافظ تقريباً على نمط اللفظ القديم إلا أنه كان غائباً عن الأماكن التي تم فيها إحياء العبرية المعاصرة حديثا وكتابة. ومن نافلة القول وجود طرق لفظية متباينة في كل من هذه الأنماط الرئيسية الثلاثة. هناك إشارات عن التحدث بالعبرية في القدس في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر، نصف قرن قبل الشروع في إحياء العبرية. ذلك التحدث جاء كحل طبيعي لتحقيق التواصل بين اليهود الإشكناز واليهود السفارديم، تكلم الأوائل الإيدش والأواخر اللادينو والعربية، وعليه كان لا بد من لغة مشتركة بين الطرفين وتم ذلك عبر عبرية محدودة بالطبع.

للأسف لا وجود لعينات من باكورة العبرية المحكية، لا تسجيلات صوتية إذ أنها ظهرت فقط في خمسينيات القرن الشعرين. العبرية المكتوبة الحديثة نمت وترعرعت في أوروبا أما المحكية فكانت في فلسطين بوجه خاص. ويبدو أن لقاء هذين المستويين اللغويين قد حدث بعد قدوم الشاعر اليهودي القومي، حاييم نحمان بيالك، عام ١٩٢٤ إلى البلاد. وعناصر معينة من العبرية المحكية دخلت لغة الحوار في الأدب العبري لأول مرّة في بداية أربعينيات القرن الماضي، نتاج س. يزهار وموشيه شمير مثلاً وفي لغة المتن في التسعينيات من القرن ذاته كما تتجلى الظاهرة في مؤلفات بعض الأدباء أمثال إتچار قيرت. في الفترة التنويرية، هَسْكالاه، التي سبقت مرحلة إحياء العبرية، كتب الكتّاب اليهود الأوروبيون مؤلفاتهم بالعبرية المقرائية مبتعدين عن الإرث الرباني والإيدشي. رأوا في هذه العبرية النمط السامي والملائم لهذه الكتابات قائلين بأن لغة المشناة، والآرامية، أقرب الأخوات الساميات للعبرية، لا ترقين طهارة وجمالاً إلى لغة المقرا. ومن أهم نشاطات أهل التنوير المذكور إنشاء صحافة عبرية مثل مقهيلات موسار لمندلسون في أواسط القرن الثامن عشر، همئسّيف، كيرم حيمد، هتسفيراه، هحلوتس، هميليتس، همچيد، هشاحر الخ. ولا نضيف جديداً إذا ما قلنا إن مندلي موخير سفاريم (شالوم يعقوب أبراموڤيتش ١٨٣٦-١٩١٧) قد شقّ طريقاً جديداً في الكتابة العبرية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، مُدخلاً عناصر لغوية حزالية وربانية ومن القرون الوسطى ومن اللغات الأوروبية.

وإثر الهجرة اليهودية الثانية إلى البلاد والتي ضمّت شعراء وأدباء نرى أن اللغة العبرية الأدبية ساهمت بقسط ما في إحياء العبرية المحكية. حال التطرق إلى ظاهرة بزوغ العبرية المحكية الحديثة يتبادر إلى الذهن تلقائياً اسم إليعزر بن يهودا (پيرلمان، ١٨٥٨-١٩٢٢) كونه “محيي/أبا اللغة العبرية” ويمكن اعتباره الأب الحقيقي للصهيونية الثقافية أيضا. ولد إليعزر پيرلمان في لوتسكي في لتوانيا وتيتّم من أبيه الحبادي (חב‘‘דحكمة وفهم ومعرفة) وهو ابن خمس سنوات. وفي عمر الثالثة عشرة التحق بمدرسة دينية وكان مديرها من أنصار حركة التنوير وتشرب الفتى إليعزر الكثير من فلسفتها. من الواضح أن الحرب الروسية التركية عام ١٨٧٧-١٨٧٨ ونضال شعوب البلقان من أجل الحرية والاستقلال وحالة الظلم التي تعرض لها اليهود قد أثّرا في ذهن بن يهودا وتبلورت لديه فكرة بعث الشعب اليهودي في فلسطين. قرر بن يهودا الانتقال إلى فلسطين للسكن فيها إلا أنه توجه أولا إلى باريس لدراسة الطب ليعتاش من هذه المهنة، ولكن سرعان ما أوقف دراسته لمرض السلّ الذي ألم به. وتناهى إلى سمعه خلال مكوثه في باريس من بعض المسافرين أن بعض اليهود الشرقيين يتحدثون بالعبرية في القدس. وتتلمذ هناك على أستاذ اللغة العبرية، يوسف هليڤي (١٨٢٧-١٩١٧)، تركي الأصل وهو أحد الثلاثة الذين سبقوا بن يهودا في نشاطاتهم من أجل جعل العبرية لغة محكية، الآخران هما باروخ بن يتسحاك ميطراني ونسيم بخار (يُنظر في كتاب: שלמה הרמתי, שלושה שקדמו לבןיהודה. القدس ١٩٧٨). انتقل بن يهودا مُصطحبًا زوجته دڤوراه يوناس إلى فلسطين عام ١٨٨١. بعد عشر سنوات توفيت دڤوراه بالسلّ وتزوج بن يهودا من شقيقتها الصغرى، حمداه التي أخذت على عاتقها مدّ يد كل معونة وسند لزوجها في مشروعه الطموح. تعلمت العبرية بسرعة وأصبحت مراسلة فمحررة في أسبوعية هتسڤي (الغزال) التي أسسها زوجها.

والحق يقال إن بن يهودا لم يكن وحيداً في الميدان، وانصبّ جلّ إسهامه في التنظير والحفاظ على الجذوة. كان أول من أشار إلى ضرورة بعث العبرية عبر مقالات عديدة وإصداره لصحف وتأليفه لمعجم ضاف للغة، ١٧ مجلدا، ٨٠٠٠ صفحة. من مقالاته التي تستحق التنويه “سؤال ملتهب” والذي غيّر عنوانه محرر الصحيفة، پيرتس سمولنسكين، إلى “سؤال وجيه/محترم” وقد نشر عام ١٨٧٩، أنظر (www.benyehuda.org/by/sheela). وعلّم بن يهودا العبرية بالعبرية لأول مرة ولكن لمدة قصيرة بسبب مرضه في مدرسة الأليانس وحاول التحدث بالعبرية فقط مع زوجته دڤوراه وابنه البكر بن تصيون/إيثمار بن أڤي الذي يُعتبر أول ناطق بالعبرية منذ الولادة واعتبر “أعجوبة” في البلاد وحضر الكثيرون لرؤيته في القدس. وأقام بن يهودا جمعية باسم “لغة واضحة” وأطلق عليها معارضوه تهكما “لغة لعينة” (بالعبرية تلاعب بالألفاظ: שפה בְּרורָה/ שפה אֲרורָה) وافترى عليه المتزمتون وزجّ به في السجن العثماني. ويحكى أن بن يهوذا ثابر في عمله على قاموسه ثماني عشرة ساعة يومياً كان يقضيها واقفاً كيلا يغفو وينام فيما لو هو عمل جالسا. وقد صدرت المجلدات الستة الأولى منه عام ١٩١٠ وبعد وفاته عمل ابنه إهود وزوجته حمداه على إصدار مخطوطه برمته عام ١٩٥٩.

يذكر أن بن يهودا كان قد قضى مدة الحرب العالمية الأولى في أمريكا. إن الجانب التطبيقي أي التحدث بالعبرية الحديثة جرى قي مستوطنات الهجرتين الأولى والثانية وليس في القدس، حيث سكن بن يهودا وعمل. الهجرة الثانية والمسماة أيضا باسم “هجرة العمّال” تمّت بين السنتين ١٩٠٤-١٩١٤ والهجرة الثالثة كانت بين العامين ١٩١٩-١٩٢٣ وشملت كل منهما خمسة وثلاثين ألف يهودي. ظهور ثمرة العمل لجعل العبرية لغة حية كان بطيئاً جداً إذ أننا نرى عشر عائلات فقط بدأت بالتحدث بها إثر جهود بن يهودا على مدار عشرين سنة. وفي عام ١٨٩٠ مثلاً بلغ عدد مدرّسي اللغة العبرية في البلاد ثلاثة عشر فقط! نقص صارخ في الكلمات الأساسية للتعبير عن نواحي الحياة اليومية ونقص مثيل بصدد توفر كتب صالحة للتدريس وعدم الاتفاق على طريقة اللفظ، ألإشكنازية أم السفاردية؟.

من الممكن تقسيم إحياء العبرية المحكية إلى ثلاث مراحل: الهجرة الأولى (هجرة الفلاحين، ١٨٨١-١٩٠٤)، الهجرة الثانية وعهد الانتداب البريطاني في فلسطين. في المرحلة الأولى تركّز العمل في مدارس المستوطنات وفي دائرة بن يهودا وفي المرحلة الثانية اتسع استخدام العبرية ليشمل اللقاءات والأنشطة العامة لا سيما في القرى الزراعية اليهودية. وفي المرحلة الأخيرة أضحت العبرية إحدى اللغات الرسمية في فلسطين عام ١٩٢٢، كما نوهنا، وذلك بفضل بن يهودا واتصاله بهربرت صامويل، المندوب السامي، وعند قيام إسرائيل أصبحت اللغة الرسمية الأولى وعملياً الوحيدة. في أعقاب وصول القادمين الجدد في إطار الهجرة الثانية أخذت دائرة التكلم بالعبرية تتسع وفي عام ١٩٠٩ أقيمت المدينة العبرية الأولى، تل أبيب، واستخدمت في شتى فروع إدارتها اللغة العبرية واختفت الإيدش من شوارع المدينة كليا. وأخذت “لجنة اللغة العبرية” التي أقامها بن يهودا مع آخرين عام ١٩٠٤ والتي تحولت لاحقاً إلى مجمع اللغة العبرية، على عاتقها توفير المفردات اللازمة للأوضاع الجديدة. وكان معظم أعضاء تلك اللجنة من اليهود الإشكنازيين. (أنظر مثلا: אליעזר בןיהודה, החלום ושברו. מבחר כתבים בענייני לשון. ההדיר וצירף מבוא והערות ראובן סיוון. ירושלים 1978).

في هذه العُجالة لا مندوحة من التطرق ولو باختصار شديد إلى ما يسمى بـ”حرب اللغات”.

في عام ١٩١٣ نَوت منظمة يهود ألمانيا “عزراه” تأسيس كلية هندسة وأصرت على أن تكون الألمانية لغة التدريس فيها. هبّت جماهير القرى الزراعية اليهودية ضد هذا القرار وأسقطته وأقيم التخنيون العبري في حيفا. ويذكر أن التعصب للعبرية قد تفاقم مثلاً في تل أبييب بعد إنشاء “كتيبة حماة العبرية” التي لجأ أعضاؤها إلى القوة أحياناً لمنع التحدث العلني بلغة أخرى غير العبرية، وكان شعارهم “أيها اليهودي! تحدث العبرية” ومنعوا إجراء مؤتمرات بالإيدش! لاقت عملية إحياء العبرية الحديثة، لا سيما في بدايتها، معارضة شرسة من أوساط اليهود الحرديم (المتزمتين)، إذ أنه في عقيدتهم لا يُعقل أن يستعمل المرء اللغة المقدسة لأغراض دنيوية، أضف إلى ذلك معارضتهم المعروفة للحركة الصهيوينة التي ارتبطت عضوياً بمشروع الإحياء. كما ووقف في صف المعارضة كل من نادى بالتأورب ووجوب تعلم اليهود للغات أوروبا بغية تحقيق الحداثة والتعصرن. ومن الناحية الثالثة نادى أنصار لغة الإيدش (تعود إلى القرن العاشر في ألمانيا وهي خليط من الألمانية آنذاك والعبرية) بتبنيها لغة قومية للشعب اليهودي. كما واستهتر الكثيرون من المفكرين والكتاب اليهود بواقعية فكرة جعل العبرية لغة حية. وربما يتذكر البعض جملة هرتصل الشهيرة في كتابه “دولة اليهود” حول عدم صلاحية العبرية لتلك الدولة العصرية: “مَن منا يعرف العبرية بقدر كاف ليطلب بها تذكرة قطار”. وعلق الأديب ش. برنفلد على مشروع جعل العبرية لغة محكية عادية بقوله “هذا حسب رأيي مستحيل، لم يحدث مثل هذا في أية لغة في العالم، حتى ولا في أية لهجة، إحياء اللغة بعد أن توقفت عن الاستعمال الشفوي. إناء زجاجي مكسور لا يمكن إصلاحُه وهكذا بالنسبة للغة توقفت عن التطور الطبيعي ولم تعد حية في أفواه الشعب”.

ودأب الكاتب موشيه ليڤ ليلنبلوم (מל‘‘ל) على انتقاد تجديدات “الموسّعين” المقدسيين في اللغة مثل قوله أن اللفظتين المستحدثتين عيتون ويرحون” (صحيفة ودورية شهرية) تنتهيان باللاحقة -ون، علامة للتصغير ولا تصغير فيهما. ووجّه سهام انتقاده على لفظة מְעניין (طريف، جذاب) المشتقة من الاسم المقرائي עניין المشتق من الفعل الناقص ענה وقال كيف يجوز ذلك والنون الثانية مضافة للاسم مثل בניין, קניין (بناية/مبني، ممتلكات) ولا يمكن اشتقاق أفعال منهما. ومما قاله بن يهودا “لدينا لغة نستطيع أن نكتب بها الآن كل ما يطرأ على عقلنا وكذلك التحدث بها ممكن إن أردنا فقط”. ويروى عنه أنه عندما طلب من زوجته تحضير كوب من الشاي له قال “خذي هذا واعملي هذا وسيكون لي هذا وأشرب”. النقص في الكلمات كان كبيراً جداً وعمل على إيجاد الناقص أفرادٌ ومنظماتٌ ومن الأفراد كان بن يهودا الأغزر إسهاماً والذي ذهب إلى عبرنة كل الألفاظ الأجنبية وإلى الاقتراض من العربية. ومن الكلمات التي أوجدها بن يهودا يمكن الإشارة إلى ما معناه بالعربية: أديڤ (من العربية: أديب)، برقية، بوظة، بيضة، جرثومة، حمام، دبّ، دبّوس، دراجة، رسمي، رصيف، رصين، شرطة، قبعة، قطار، كُرة، مشط، مقلية، مكوى، موضة، نقانق، هوية، وردة. بعد ذلك النقص في المفردات العبرية بأكثر من قرن وربع ما زلنا نسمع مثلها كثيراً في أيامنا هذه من العامة وبعض الخاصة أحياناً، وهذا ينم عن فقر مخزونهم اللغوي وربما إهمالهم وتقاعسهم أيضا في هذا المجال. كثيراً ما يسمع المرء في البلاد ما مقابله بالعربية" ما هذا، أعطني هذا، ما اسم هذا الخ. “ومن الناحية الثانية نرى أن العبرية في البلاد أصبحت لغة العلم والمعرفة في كل المواضيع وفي كافة المؤسسات التعليمية من روضة الأطفال وحتى الجامعة. وهناك مثل بول ڤيكسلر من رأى في العبرية الحديثة هذه لغة غير سامية بالمرة بل لغة أو لهجة سلاڤية (أنظر Wexler, Paul, The Schizoid Nature of Modern Hebrew: A Slavic Language in Search of a Semitic Past: 1990). وهناك نظرية جلعاد تسوكرمان القاضية أن العبرية الحديثة هي ”الإسرائيلية” وهي لغة سامية-أوروبية وهي في الواقع استمرار للعبرية القديمة وللإيدش ولغات أخرى كالروسية والبولندية والإنجليزية واللادينو والعربية. في معمعة هذه العناصر المتباينة القدح المعلى للإيدش وذلك لأن معظم الذين عملوا في “إحياء” العبرية في العصر الحديث ومعظم طلائع القادمين الجدد إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين كانوا ناطقين بالإيدش كلغة أم (أنظر:

 Zuckermann, Ghil‘ad, Israelit Safa Yafa (Israeli, a Beautiful Language: Hebrew as Myth). Tel Aviv: Am Oved, 2008).

 

الرأي السائد، كما هو معروف لدارسي العبرية، هو أن العبرية الحديثة أو العبرية في دولة إسرائيل هي عبارة عن مرحلة وحلقة مكمّلة لعبرية ما سبقها، لغة المقرا ولغة حزال ولغة القرون الوسطى بمستوياتها المختلفة، ومن الجهة الثانية لا بد من ذكر تلك العناصر الخارجية المعجمية والنحوية، لا سيما طرق التعبير (مثلا نقول اليوم ما نشمع؟ أي حرفياً “ما نسمع؟ والمقصود “كيف الحال”) والتأثير إيدشي واضح. ومعنى عبارة ما يكون وفق السياق اللغوي والتاريخي فمثلا “אשתו מתה עליו’’ عند عچنون تعني ”تأرمل” أما في العبرية اليوم كلاما، وكتابة عند البعض مثل إتچار فالمقصود “زوجته مغرمة به وبالعامية الفلسطينية بتموت عليه”. من الواضح أن مدى التأثير الأجنبي في المفردات والأسلوب وبنية الجملة العبرية الحديثة كبير وبحاجة لأبحاث إضافية لتقييمه والوقوف على مداه الحقيقي في المجالات اللغوية المختلفة (أنظر: רוביק רוזנטל, מילון הצירופים. הוצאת כתר 2009، ٩٦٢ ص. ١٨ ألف عبارة).

وجود مثل هذا التأثير، كما هي الحال في جلّ لغات البشر ولكن بدرجات متفاوتة لا يزيل عن العبرية اسم “العبرية الحديثة” بمعنى عبرية ذات أصول سامية قديمة وأخرى أورويية حديثة لا سيما الإيدش والإنجليزية والروسية والبولندية واللادينو ودور العربية في العبرية المحكية لا ينكره أحد. كما أن العبرية المحكية رغم عمرها القصير مرت بمراحل والتلاقح بين اللغة المنطوقة والمكتوبة أخذ يفعل فعله في أواسط القرن العشرين. قوام (الطبقة السفلى، سوبستراتوم) العبرية الإسرائيلية سامي، مقرائي وحزالي والسوپرستراتوم، الطبقة الدخيلة من لغات أوروبية بشكل خاص.

يُقال إن خمسة يهود كانوا قد غيّروا وجه العالم: موسى النبي جاء بالشريعة؛ يسوع المسيح قال: إن المحبة أساس كل شيء؛ كارل ماركس قال: إن المال كل شيء؛ سيجموند فرويد قال: إن الجنس كل شيء؛ وأخيرا جاء آينشتاين وقال كل شيء نسبي.

قول الأخير يناسب حال تسمية العبرية المعاصرة وطبيعة جوهرها.

* جامعة هلسنكي

Haseeb. Shehadeh@Helsinki. Fi

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|