من خلف الكواليس - إلى الدكتور إياد قحْوش

 
خيري حمدان 09/02/2010
 
  

من خلف الكواليس

خيري حمدان

الإهداء:

للدكتور إياد قحْوش

شاعر الزجل الذي فتح متاريس الذاكرة

 

يوميات المسرح

1-  كنت قد تعرفت على عدد كبير من الفنانين والفنانات العاملين في المسارح البلغارية بحكم عملي الصحفي. قبل عقدٍ من الزمان ويزيد، هاتفتني إحدى الفنانات العاملات في إحدى المسارح الوطنية واسمها ريني قائلة بأنها ترغب بلقائي بخصوص عمل مسرحي مهمّ. أحضرت معها نصًّا مسرحيًا يحمل عنوان الدمية بقلم الأديب الكبير ستانيسلاف ستراتييف. كانت المسرحية غير مكتملة وتنقصها النهاية. وكان بطل المسرحية امرأة. قلت لها: ماذا تريدين مني يا ريني؟ قالت: أريد أن تكتب النهاية. سألتها: أعتقد بأن الأديب ستراتييف ما يزال على قيد الحياة. أجابت: نعم. قلت لها: يمكنك العودة إليه في مركز اتحاد الكتاب وهو مقلّ في كتاباته المسرح ولن يبخل عليك في وضع خاتمة، أو ربّما يعطيك نسخة أخرى مكتملة. لا يمكنني يا ريني أن أتخطّى كاتبًا بهذا الحجم. عدا عن هذا فهو حكيم ومتميز. قالت: نعم، أردت أن أجمع ما بين الحكمة والجنون.

الأمانة الفكرية منعتني من قبول عرضها، أحيانًا أشعر بالندم من خطوتي تلك. انتقل الأديب ستراتييف إلى بارئه، ولكن أين أنتِ الآن يا ريني؟.

 

2- حين تقدم الفنان بيتر سلافوف لامتحان التمثيل، طلب منه البروفيسور أن يثبت قدراته في مرونة الجسد حسب معايير الفنون المعاصرة. عندها طلب منه بيتر أن يذهب بعد دقائق إلى خارج المبنى ويشاهد معنى المرونة. تعجّب البروفيسور ولم يجد بدًّا من الخروج ليرى ماذا سيفعل الطالب الوسيم ضئيل البنية بيتر. حين نظر إلى أعلى المعهد العالي وجد بيتر واقفًا على يديه عند حافته، ثم سار على يديه نحو الدرج. صاح البروفيسور: إنزل أرجوك، لقد تجاوزت الامتحان!.

 

3- كانت لصاحبي المرحوم بيتر سلافوف وهو الذي كان يكبرني بجيل أو يزيد عادات غريبة للغاية.  كان يحمل في جيبه الصغير مقصًّا صغيرًا، وإذا ما شاهد وردة جمّة ذات ساق كبيرة، كان يقطعها ويهديها للصديقات والزميلات. سألته، لماذا تسرق الورد يا بيتر؟ فقال، الورد جميل كالخطيئة، كيف نشتري الجمال يا خيري! وأحيانًا كان يدخل إلى أصحاب البيوت بعد أن يقطف الورد من حدائقهم، كانوا يضحكون وهم يعرفون جيّدًا طباعه، بيتر المسكون بالرومانسية! لهذا كانوا يتمسكون به حتى يتناول معهم بعض النبيذ، ويتبادلون الأحاديث حول المسرح والفنون!.

 

4- كنت ولا أزال بالطبع مغرمًا بالمسرح، وحدث أننّي رغبت بمشاهدة عرض مسرحي مباشر في صالة صغيرة للغاية. في تلك المرحلة كنت مدلّلاً وكان بإمكاني دخول أي مسرح دون بطاقة ودون الانتظار على الطابور، باختصار كنت أدخل حرم المسرح من أبوابه الخلفية، وكنت أراقب كلّ ما يحدث من خلف الكواليس. جلست في المقاعد الأولى ولم أتمكن تلك الأمسية من حلق ذقني لأن الوقت لم يسعفني، حقيقة لم أتعمّد ذلك، ولم أكن أعرف الممثل الرئيسي في تلك المسرحية. نظر إليّ ذلك الفنان وقال في خضم المسرحية وكأن كلماته جزء من نصه: يبدو بأن احترام العمل المسرحي لم يعد كما كان يومًا ما، حتى اللحى لم تعد تحلق قبل الدخول إلى صالة المسرح! الوسامة مطلوبة في مراكز الفنون.

طبعًا لم يدرك ذلك الفنان بأن ولعي بالفنون هو الذي دفعني لحضور أدائه دون أن أحلق ذقني.

 

5- نيكولاي فنانٌ كوميدي يُضْحِكُ الحجر، وله مواقف في منتهى الرقّة. أداؤه متنوّع وكان مهتماً بحضوري الجلسة الأولى للمخرج وحتى العرض الأول. كان دوره في إحدى المسرحيات يتطلب منه تركيزًا كبيرًا، وذلك لضرورة إظهار التناقضات في المواقف حتى يتمكن من رسم الابتسامة حتى على وجوه الفاقدين لأحبّتهم! شاهدته قبل العرض بساعة، قال لي بأنّ والده قد توفي عصر ذلك اليوم، ثمّ اختفى في غرفته الخاصّة. تلك الليلة، أضحك نيكولاي الصغير والكبير، أنا الوحيد الذي كنت أعرف بأن قلبه كان يتمزّق ألمًا وحزنًا. كانت تلك الحفلة من أفضل ما قدّم خلال الموسم كله. بعد انتهاء العرض، خرج أمام الجمهور وقال: أهدي هذا العمل لروح والدي الذي غادر الدنيا عصر اليوم، ثمّ بكى.. 

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|
  15/02/2010
الاسم :   خيري حمدان
عنوان التعليق :   الدكتور اياد قحوش
الايميل :   
التعليق :

لقد نبشت الذاكرة فكان هذا النص

أشكرك وأشكر هذا الموقع جماليا

معاً على طريق الإبداع

  11/02/2010
الاسم :   إياد.ق
عنوان التعليق :   هديتك وبيتي
الايميل :   
التعليق :

الشاعر الأديب خيري

هديتك جميلة كشجرة. ولكن كيف أُدخلها بيتي وبيتي بيت شعر على البحر القصير.

شكرا لأنك ذكرتني في ملكوت إبداعك

 

محبتي على الدوام وتحية للأحبة سوزان وندرة

 

  09/02/2010
الاسم :   خيري حمدان
عنوان التعليق :   الأديبة سوزان
الايميل :   
التعليق :

أنا على قناعة من أن حياة الإنسان سلسلة من الامتحانات وكأنّها فقّاعات في نهاراتنا، لكنها تنفجر على حين غفلة لتظهر لنا ما إذا كنّا قد تجاوزنا الامتحان الأكبر للحياة والذي نخوضه كلّ يوم مائة مرّة دون أن نعلم ذلك أحيانا.

مودتي أديبتنا الغالية سوزان

  09/02/2010
الاسم :   خيري حمدان
عنوان التعليق :   الأستاذ العزيز ندره يازجي
الايميل :   
التعليق :

هناك لحظات لا تنسى في حياة الإنسان. بل هي ومضات قد تكون عابرة لكنها تترك أثرا كبيرا يظهر في لحظة غليان الذاكرة وكأنها تمرّد على الوجود والضباب. هذه الومضات حضرتني مؤخّراً من على هذا المنبر العزيز على قلوبنا.

شكراً لكلماتك العذبة الدافئة

مودتي

  09/02/2010
الاسم :   سوزان
عنوان التعليق :   ثمّ.... وبعد
الايميل :   
التعليق :

ثمّ بكى...

كم من النهايات تكتبها باختصار كلمة ثمّ...

ننتظر مفاجأة الـ مـا بعد، فتكون واحدة تروي كلّ الحكاية:

ثمّ بكى...

حكايات أضف إلى قيمتها التثقيفيّة -الأدبية، متعة قراءتها

إلينا بالمزيد،  لنتجاوز الامتحان

  09/02/2010
الاسم :   ندره . ع . يازجي
عنوان التعليق :   حْكيلي قصص
الايميل :   
التعليق :

منذ يومين استعنت بنافذة (بحث) في جماليا لأستعيد في ذهني صورة الرجل الذي هوايته قطف الزهور الجميلة وإهدائها للآخرين ، وكتبتُ في نافذة البحث (خيري حمدان)، إذ أنني أعتقد أن عاشق الأزهار والناس  ورد ذكره في خاطرة سابقة له،. وكنت آنذاك بصدد كتابة تعليق على الأخت سوزان، إذ أنها  ذكرتني به وبنزعته الجمالية الإنسانية، وتخيلّتها مثله جامعة أزهار وورود تقدمها في كل سبت للقراء.. غير أنني لا أعرف لماذا أخفقت في البحث عن عاشق الزهر والناس، واليوم قرأت للأخ خيري هذه الخاطرة عن الرجل هذا وعن أمثاله من مرهفي الحسّ المميّزين، وهي مهداة للشاعر الدكتور إياد.. سأكتب كلمة (استمتعت) بهذه القصص، مع أن كلمة ( استمتعت) غير كافية، وقفز لذهني مطلع قصيدة إياد ( فن تشكيلي)  المهداة إلى خيري ( حْكيلي قصص)....

 

كم يضيِّع الإنسان على نفسه عندما لا يقرأ كثيراً وجيّداً! 

تحياتي