بين قيثارة الياس أبو شبكة وغَلْوائه .. "ما نحن نُحْييك لكنْ أنتَ تُحيينا"

 
د. مفيد مسُّوح 10/01/2007
 
 

لم يكن يعلم التاجر اللبناني يوسف أبو شبكة وهو يجوب البلدان سعياً لتأمين متطلبات الحياة الكريمة لعائلته الصغيرة أن ابنه الياس سيكون ذا شأن في لبنان وفي المحيط الأدبي حياً وبعد رحيله. كان همّه الرئيس أن يرى ابنه ناجحاً في دراسته وكان الفتى حريصاً على إرضاء والده الذي أجبره السَّفر على التغيُّب عن الأسرة لفترات متقطِّعة مما خلق عند الياس حالة من الاشتياق الدائم لوالده وتعطُّشاً لاستقرار لم تنل الأسرة حظاً وفيراً منه.

في رحلة للعريسين إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان لزوجة يوسف أبو شبكة أخ معروف في الأوساط الفكرية والأدبية هو الياس فرزان، من الزُّوق – كسروان، ولد الطفل الذي سُمِّي على اسم خاله لشدة إعجاب الوالدين به. كان ذلك في الثالث من شهر أيار عام 1903. من نيويورك عادت الأسرة إلى لبنان فسكنت بيتاً في حيٍّ فاخر من قرية الوالدين الجميلة في كسروان "زوق مكايل". كان المنزل الكبير مصمَّماً على الطراز اللبناني التقليدي ومبنياً بأيدٍ ماهرة وبجودة عالية من الحجر الكلسي الأبيض وقد سُقف بالقرميد الأحمر ونقشت علىسقفه الداخلي رسوم تزيينية وفُرشت أرضه بالرخام وسُوِّيتْ حديقته التي زُرعت بأشجار اللوز والليمون والرمان وغيرها فكانت إطلالة البيت العالي على البحر في الصباح وعند الغروب جزءاً من بيئة جميلة تعلَّق الطفل الياس بها وهو يتعرَّف على طبيعة بلده لبنان.

من هذا البيت بدأت حياة الياس أبو شبكة وفيه انتهت باكراً. منه ابتدأ الطفل دراسته في مدرسة "عينطورة" للآباء اللعازريين وبقي فيها ثلاث سنوات. كان أبو الياس قد لقي حتفه في ظروف غامضة خلال جولة عمل له بين لبنان ومصر والسودان التي قتل فيها غدراً فأثار غيابه حزن أسرته وحالة من الإحباط عند الولد ابن التاسعة بقيت ترافقه لفترة طويلة من حياته التي كانت مشاعر الكآبة غالبةً على أيامها. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية صعُبت الظروف في محيط أسرة الفتى فترك المدرسة بادئاً البحث عن عمل يعيله وأسرته ثم عاد ليستأنف دراسته بعد انتهاء الحرب في "مريمية جونيه" وانتقل منها إلى مدرسته الأولى في عينطورة التي تركها بعد سنتين بحثاً عن وظيفة تقيه وأسرته العوز دون أن يوفَّق .. كانت الأبواب موصودة أمامه وكانت مشاعر الإحباط تزداد في نفسه ويزداد معها سخطه على المجتمع الظالم وعلى الأنانيين من الناس .. وكان لابدَّ للشاب ذي الحساسية العالية والطموح الكبير من التعبير عن رفضه لما يحيط به من ظلم وقسوة ونقمته على الظلم والظالمين عبر كتاباتٍ بدأت برسائل إلى أصدقائه وحبيبته وصارت قصائد جمعها فيما بعد ليصدر ديوانه الأول تحت اسم "قيثارة" في عام 1926. في قصائد هذا الديوان نفحات من الحزن والألم وعذاب الضمير عكست حالة الشاعر المتشائمة واليأس من مصيره وهو يحاول شقَّ طريقه في هذه الحياة المليئة بالمتناقضات والتي انعدم فيها العدل وطغى الظلم وسيطرت مظاهر التخلف وغلب التراجع وغابت عنها صور الماضي المتألق والحضارة العريقة. وهي في نفس الوقت سجل بدايات أبي شبكة الذي تعلَّم الأدب وكتابة الشعر بجهوده الخاصة أكثر ما لقَّنتْه سنوات الدراسة المحدودة المتقطِّعة.

السنوات المعدودة التي درس الياس أبو شبكة خلالها في مدارس جونيه وعينطورة كانت كافية لتعريفه بالأدب العربي والعالمي وبرموزه في لبنان وخارجه وحثَّته على القراءة الدائمة باللغتين العربية والفرنسية فغدا ملمَّاً وعارفاً وتكوَّنت له شخصية بدأت متأثرة بأبي العلاء المعري وجبران خليل جبران وغيرهم من الأدباء والشعراء التراثيين والمعاصرين، وجدير بالذكر أن الياس أبو شبكة كان معجباً بشعر خاله الياس فرزان، المفكر الذي عاش ومات في نيويورك وكان له فيها حضور فكريٌّ مثيرٌ. سرعان ما تميَّزت شخصية أبي شبكة بفرادة في الرؤى والوسائل وفي تقنيات التعبير فأصبح لأبي شبكة عالمه الخاص الذي جذب المهتمين بالأدب والشعر والفلسفة فالتفوا حوله وتردَّدوا إلى منزله الذي تحوَّل بصالته الواسعة وأناقته إلى ملتقى وضيافة ذكرها الكثيرون في كتاباتهم.

كسائر الأدباء والشعراء كان التعليم أيسر مهنة توفَّرت لشاعرنا فعمل دون رغبة أو قناعة في معهد الآباء اليسوعيين ومدرسة الفرير وفي مدرسة المقاصد الإسلامية. كانت أمنية الشاعر في التفرُّغ للكتابة والإبداع الأدبي كبيرة، وكان قد بدأ التَّعرُّف على كتاب وأدباء وصحفيِّي لبنان المرموقين من خلال كتاباته ورسوماته في بعض الصحف والمجلات البيروتية وكانت إحداها مجلة "المعرض" التي أسَّسها ميشال أبو شهلا (1898 – 1956) وكتب فيها عدد كبير من الأدباء والمفكرين والفنانين المجدِّدين. وفي قلب هذه المجلة المثيرة تكوَّنت في عام 1930 "عصبة العشرة" التي كان الياس أبو شبكة أحد أعضائها الرئيسيين وكان فخوراً بها وبالنقاشات الأدبية الحيوية التي وصفها بأنها تجعل المتحاورين "يحلّقون في سماء الأدب تحليق النسور في مذاهب الجو". كان أعضاء هذه العصبة، إضافة إلى ميشال والياس، كلٌّ من خليل تقي الدين (1906-1987) وفؤاد حبيش (1904-1973) وكرم ملحم كرم (1903-1959) وتقي الدين الصلح (1901-1988) وتوفيق يوسف عوَّاد (1911-1989) ويوسف ابراهيم يزبك وعبدالله لحُّود وميشال أسمر.

حتى ذلك العام كان الياس أبو شبكة قد أصدر بعد "قيثارة" وبين العامين 1927 و 1928 دواوينه "طاقات زهر" و"العمال الصالحون" و"المريض الصامت". كان الشاعر الرومانسي يعيش حالة من الحب بدأت وهو صبي يافع عندما تعرَّف على ابنة القرية، الصبية الذكيَّة والتلميذة في مدرسة عينطورة "أولغا سيرافيم" وصديقة اخته فيرجيني وكان في السادسة عشر من العمر، وكانت تكبره بعامين. هذا الحب الصامت الذي استمرَّ أكثر من عقد من الزمن وصل بالحبيبين إلى زواج في عام 1931 وصداقة روحية عميقة استمرَّت حتى وفاة الشاعر بين يدي زوجته في 27 كانون الثاني عام 1947.

حبُّ الياس أبو شبكة لرفيقة عمره "أولغا" كان ملهمته لكتابة معظم أشعاره وخاصة الرواية الشعرية المتميزة التي حملت العنوان "غَلْواء" والتي جاء اسمها من الاسم الذي أطلقه الشاعر على زوجته بعد مداعبة اسمها الحقيقي بقلب ترتيب أحرفه. كانت "أولغا" الصبية الجميلة الجريئة المثقَّفة سلوى الشاعر الفتي في معاناته واصطدام طموحاته الكبيرة بالواقع المكبِّل والظالم. يقول الشاعر هنري زغيب عنه: (عرفتَ غَلْواكَ والأيَّام بُرْعُمةٌ .. ورحْتَ ترْصدُ فيها الأنسَ والسَّمَرا).

و"غَلْواء" التي تأنَّى الشاعر في إصدارها فلم تظهر حتى عام 1945، علماً بأنه كتبها وهو في ذروة الحب العذري بين 1926 و 1932، هي رواية شعرية بقالب ملحمي غنائي بطلتُها زوجتُه وقد قال إنها: "رواية شعرية ذات أناشيد أضمّنها بعض المشاهد الحيّة من البيئة التي أعيش فيها كظلم الإنسان للإنسان، وتمّرد القوي على الضعيف، وهذيان السياسات المريضة، واستسلام الشباب إلى شهواته .." وقال أيضاً: "بنيت الموضوع على شطر من حياتي الغرامية، وحملتُ غلواءَ الطاهرة البريئة، مثال الفتيات تحت هذه السماء ..".

تتألَّف "غلواء" من أربعة "عهود" تشكل مراحلَها يقدِّم الشاعر في عهدها الأول تعريفاً برؤياه عارضاً قسوة الحياة ومفاجآتها في صورة مرض الحمَّى الذي أصاب غلواء في صيدا وإذ يتحسَّر بسبب معاناتها يصفها بطريقة شاعرية يمتزج فيها جمالها الجسدي والروحي بجمال الطبيعة. في العهد الثاني ننتقل إلى معاناة الشاعر من جفاء غلواء وما تركه في نفسه من شجن وما آلت إليه حاله من عذاب ووهن، وهو يستنجد بأمِّه شاكياً، ونصل في العهد الثالث إلى ما سمَّاه "عهد التجلّي" و"طريق الجلجلة" وفيه يُظهر الشعور بلذَّة الألم المصاحب لعذاب التَّوبة ودموعها وفي الفصل الأخير تعود حالة الصفاء المقدَّس في ما سمَّاه "عهد الغفران"، إذ يلتقي الحبيبان في هيكل الحبّ، حيث العفاف والتقوى وراحة الضمير.

أما "إلى الأبد" فهو ديوان ظهر بعد "غلواء" وقد كُتبتْ قصائده في "ليلى العضم"، التي تبادَل الشاعر وإياها الإعجاب والمحبَّة في علاقة عاطفية أقلقت توازنه وتركت أثرها في حياته الشخصية والإبداعية وكانت مثار جدل في محيط الشاعر.

في الثلاثينيات، وبعد تأسيس "عصبة العشرة" التفت الياس أبو شبكة إلى العمل الصحفي والترجمة فكتب مئات المقالات في الصحف الأكثر انتشاراً في لبنان ومصر وسوريا مثل النداء، البيرق، البيان، المعرض، الجمهور، العاصفة، المكشوف، وصوت الأحرار وكذلك في المساء والمقتطف المصريتين، وترجم أعمال كتَّاب وشعراء مرموقين فرنسيين فأصدر "البخيل" و"الثري النبيل" و"مريض الوهم" و"الطبيب رغماً عنه" لموليير و"جوسلين" و"سقوط ملاك" للشاعر لامارتين وقصص لفولتير و"تاريخ نابليون" وغير ذلك كثير.

في عام 1938 صدر ديوان أبي شبكة "أفاعي الفردوس" الذي اعتبره مخائيل نعيمة من أروع ما كُتب في وصف الشهوات الجسدية الجامحة. وقد استخدم الشاعر نصوصه لعرض مفاهيمه في الشهوانية والخطيئة مقارناً سطحية السلوك المعاصر بالفضيلة الحقيقية وشارحاً نزعات النفس التواقة الى اللَّذة والمنقادة نحوها بتلقائية، وحصيلة هذا الانقياد وما يتركه من شعور بالنَّدم، وهو لذلك يربط هذه النزعات بالجوانب السلبية الأخرى عند الإنسان مقارباً التراث الفكري القادم من أساطير المنطقة عبر التوراة وماقبلها.

في عام 1941 أصدر مجموعة شعرية بعنوان "الألحان" جاءت قصائدها في لبنان وطبيعته وأهله وطقوسهم وعلاقتهم بالمواسم والفصول والأعياد وعرَضَ فيها الفولوكلور اللبناني بحسٍّ وطني صادق عاشق للأرض وبغزلية عذبة .. ولم يفت الشاعر الرومانسي في أحد أحاديثه عن العلاقة الطيبة التي تربطه بلبنان مبتدئة من بلدته (الزوق) المرتفعة فوق سطح البحر تطل عليه من الغرب والتي تستقبل الشمس في مشرقها من خلف الجبال المفصولة عنها بوادٍ وصفه الشاعر " .. مهيبٍ يبتدىء بخليج جونيه الذي غنَّيتُه في (الألحان) وفي (إلى الأبد) ..".

وللشاعر أيضاً ديوان "نداء القلب" – 1944 وديوان "إلى الأبد – 1945 وكتب أخرى مثل "الرسوم" – 1931 و"روابط الفكر بين العرب والفرنجة" – 1945 وهو كتابٌ في الأدب والنَّقد ..

في إحدى المقابلات الأدبية مع الشاعر اللبناني هنري زغيب أجراها منذ سنتين الدكتور محمد جمال الطّحان تحدَّث زغيب عما يمثله الياس أبو شبكة بالنسبة إليه فقال معرِّفاً به أصدق تعريف:

كنت في طفولتي الأولى أمضي عطلات الصيف عند بيت جدي وجدتي في الضيعة وكانت المدرسة الدخولَ الأول في عالم الشعر الغامض، تعطينا فروض العطلة الصيفية فكنت خلال فترة الصيف أكتب فروضي وأمضي أسابيع طويلة بين كروم العنب والتين وبين أشجار اللوز في أحضان جدي وجدتي وبيتهما الجبلي الريفي الجميل فكان جدي يملك دكاناً في ساحة الضيعة كلما أتى مساء يسألني "هاتِ اقْرأ لي ما كتبت اليوم"، فأقرأ عليه فروض الإنشاء فكان يغتبط طرَباً لما أقرأ له. لم يكن يدري جدي أنه في هذه الطريقة نمَّى فيَّ الوقفةَ المنبريَّة، وقفةَ القراءة الجهورية أمام الناس. فكأن جدي كان جمهوريَ الأول ..

ذات ليلة دخل كالعادة، قال لي: "هات .. ماذا كتبتَ اليوم ؟"

قرأت له موضوع إنشاء أتذكَّرُه حول الربيع وهو بدائي وليس له معنى، فأغرقتْ عينا جدي بالدموع فرحاً وغبطة، وحينما انصرفتُ إلى حقيبتي أدرس فيها موضوع الإنشاء سمعتُ جدتي تقترب منه وتقول: "لم أفهم شيئاً مما قال الصَّبي ولكني أخشى أن يستمر هكذا ويغدو غداً كهذا المجنون عندنا في الضيعة". فقال لها: "لا تخافي سوف يكون كاتباً ولن يغدو مجنوناً".

نمتُ تلك الليلة وأنا أفكّر "من هو هذا المجنون الذي شبَّهتْني به جدتي ولماذا شبهتْني بالمجنون إن أنا قرأتُ أو كنتُ كاتباً؟!". وعندما استيقظت في اليوم التالي سألتُ جدتي: "من هو هذا المجنون الذي تحدثتِ عنه الليلة الماضية ؟". فقالت: "لا تهتم يا حبيبي هذا مجنون كان عندنا في الضيعة يمشي يهزُّ بكتفيه ويحمل عصاً يضرب بها الأرض، كنا نقول له إلياس أبو شبكة".

أنا كنت صغيراً ولم أعرف من هو إلياس أبو شبكة. عندما انتهى فصل الصيف وعدتُ إلى البيت، أول ما فعلته طلبت من أبي أن يشتري لي كتب الياس أبو شبكة، اشتراها لي وقرأتُ في هذه الكتب ولكني لم أفهم شيئاً، كنت صغيراً جداً وبقيتْ هذه الكتب قربَ وسادتي سنتين أو ثلاثاً وربما أربعاً وكنتُ كلما قرأت فيها أكثر كلما كبرتُ في السن أكثر وكلما فهمتُها أكثر وأحببتُ الشعرَ على صفحات الياس أبو شبكة. اليوم ماتتْ جدتي وهي لا تدري بأن سؤالاً صدْفَويّا سألتْه لجدي ذات ليلة صيف من ليالي الطفولة حولتْني به نهائياً صوب شعري.

إلياس أبو شبكة كان أول شاعر قرأتُه وتأثَّرتُ به مرَّتَين: مرَّة لتركيبه الشِّعري ومرَّة لصدقِه في شِعره. وحتى اليوم لا أزال على هذه المدرسة .. على هذه النزعة .. على هذا المنوال لأن الصدق في الشعر هو جوهر الشعر".

يحلو للكثيرين من النقاد والأدباء في لبنان وسوريا تسمية أبي شبكة بـ"شاعر الحب" كثْرةَ ما تمحورت قصائده ودواوينه حول الحب الروحانيّ ونقائه وسموِّ مشاعره وقدرتها على التأثير على الأفراد والبيئة ومغبَّة بطلانه أو فقدانه أو أخذه الأشكال والوظائف الغريبة عنه كالأنانية والغرضية والمادية ونشود اللذَّة العابرة من خلاله. قال أبوشبكة للشاعر جورج غريِّب عندما سأله عن هدفه في الحياة: "جئت لأفتح ورشة حبّ".

ما من شكٍّ أن عالم أبي شبكة الشعري عكس حياته الخاصة وتجاربه سواء مع حبيبته غَّلْواء التي رافقته منذ يفاعته وحتى إغماضة عينيه، أم مع صديقته "ليلى العضم" أم مع الناس في مراحل الدراسة والعمل. فالرجل الذي كان مرهف الإحساس وعميق التفكير بالأبعاد الروحية للإنسان وشديد الالتصاق بالطبيعة كان في نفس الوقت ثوريَّ التطلُّعات شغوفاً دؤوباً كبير الطُّموح حادَّ الرأي شديداً في تقييمه لأداء الآخرين وخاصة أولئك الواقعين تحت المسؤولية الاجتماعية. وهو، وإن بدا في أعماله وكأنه يأخذنا إلى عالمه الخاص وغرامه إلا أنه قصد من ذلك دعوتنا إلى بيئة روحية المكونات طاهرة كالحب النظيف نقية كالعذارى بريئة كالطفولة وديعة كأشجار البراري حرَّةً كطيورها عميقة كالمحيطات ثائرةً كأمواجها وكريمة كالينابيع طيبة كمائها الرَّقراق.

الرومانسية في مرحلة الشباب عند الياس أبي شبكة تعود أساساً إلى حياته الخاصة وتجاربه الشخصية، أما الظروف الموضوعية فلم تكن مواتية لإبداعات رومانسية الطابع في تلك السنوات. حتى أن أبا شبكة أقلع نسبياً عن رومانسيته في فترة الأربعينيات، إذ كانت الساحة اللبنانية مليئة بالأحداث المؤلمة والتوتر خلال الحرب العالمية الثانية وما نجم عن ذلك من افتتنان واقتتال أهلي وكذلك من تنافر بين مصالح الأهالي وأطماع المحتلين الفرنسيين والذي تمثل بالإضرابات المستمرة وبحملات المداهمة إلخ..

ولكن أشعار أبي شبكة الرومانسية المبكرة تحلِّق بك من بيته في الزوق ومن وادي جونيه وساحل بيروت وصيدا إلى سماءٍ عالية لا فوق لبنان وفي أعماق الطبيعة وأسرارها وسحرها بل فوق الكون الفسيح وفي لانهائيته.

المرأة مصدر الشَّاعرية عند شاعر الحب أبي شبكة ويصعب عليك قراءته بعيداً عنهما .. وهو يرى الحبَّ الحقيقي في جراح القلب وفي اتِّقاد العاطفة وهذا شرط الشعر (إجرحِ القلبَ واسقِ شِعرَكَ منه // فدمُ القلب خمرةُ الأقلام). ونحن في بعض شعر أبي شبكة نتحسَّس أوجاعه ونشاركه آلامه ونعود إليه في مكتبه وتحت قنديله السَّاهر يرافق قلمه المرتجف تناغماً مع خافقه المتسارع النبضات واهتزازة جسده المضطرب في أركان هواجسه الكثيرة. فإذا رحنا في بعضه الآخر إلى الطبيعة وجمالها السَّاحر سبحتْ أرواحُنا في صورٍ امتزج فيها جمال الواقع بسحر الخيال وتحوَّلت الزهور والأشجار والينابيع والطيور إلى كائناتٍ نتبادل وإياها المشاعر والأحاسيس والتفاعل أيضاً ونترافق معها برحلة إلى عالم فوق العالم ونعيش زماناً خارج الزمن. وقد وصف جورج غريِّب حالة أبي شبكة وهو يكتب فقال: (كان في لحظات إبداعه يعيش في غيبوبة عن العالم. وكأنه ينتقل الى عالم آخر، صنعه بنفسه وجعل حدوده الحلم والحب).

تحرّك الليلُ، فقال الخَيَال:
من ليس يَبكي في الليالي الطوَّال
ولا يُدمّي المُقلَة السَاهِدَه ..
مَن لم يذقْ في الخُبز طعم الألَمْ
ولم يُنكر وجنَتيهِ السّقمْ
وتسلخ الأوجاعُ منهُ حُطَمْ ..
من لا يرى في الشَمس طيفَ الغرُوب
ويُسمع الليلَ اختِلاجَ القُلوُب
ويَرصُدِ الشمعة حتى تذوب ..
من لم يُغمِّسْ في هواه دَمَهْ ..
من يَمنَع الأهوالَ ان تُطعِمَهْ
ولا يرى في كل جرح حِكَمْ ..
من ليسَ يَرقى ذروةَ الجُلْجُلةْ
ولم يُسمِّر في الهوى أُنمُلَهْ
ويُرفَعُ العَلقمُ والخَلّ لهْ ..
مَن يَصرفِ العُمرَ على المُخمَلِ
ولا يذوقُ البؤسَ في الأولِ
ولا الأسى في مخدَعٍ مُقفَلِ ..
لن يعرفَ، العُمرَ، شعَاعَ الإلَهْ
ولَن يَرى آمالَه في رؤاهْ
بل عالماًًً يخبِط في مهزَلهْ

وإذ كان أبو شبكة يرى الجمال في كلِّ ماهو طبيعي حوله فإنه كان دائم القلق من الأفعال البشرية التي تبدو الأشياء معها باهتة وقبيحة. وفي هذا يذكِّرنا هنري زغيب إذ يقول: (إن الخيانة لا في الأرض بل فينا).

والحبُّ عند أبي شبكة مكشوفٌ يُفخرُ به وليس سراً يُخفى (جمال قلبيَ عرْيانٌ على شفتي) وقد أعاب الشاعر الحبَّ في الخفاء بكافة أشكاله وميَّز بين براءة الجمال الحقيقي ومكْر الحسْن المخادع (والبصيرُ البصيرُ يُخدعُ بالحُسن وينقادُ كالضَّرير الضَّريرِ) وكان مع حبيبته غلْواء شديدَي الصَّراحة انطلاقاً من جمال الحب الروحاني. يقول هنري زغيب بلسان غَلواء (ياشمس في الظِّلِّ خلِّينا بلا قمرٍ // فأعذب الحبِّ ما في ظِلِّكِ اسْتَتَرا).

والحبُّ عند شاعرنا شرطُ زهوّ الجمال: (ولو انَّ القلوبَ لم تفنَ في الحبِّ لما أورقَ الجمالُ وغنَّى). ‏

الصِّدق في شعر الياس أبي شبكة كالصِّدق في حبِّه وفي شاعريَّته، فأعذب الشِّعر ما صدق. والصِّدق في فلسفة الشاعر صفة من صفات الطبيعة فكيف للمرء أن يتجاهل هذا ويلجأ إلى الكذب (فكيف أكذب والدُّنيا تصارحني؟!) .. هاهو يقول: (أنظرْ إلى النَّهر في صفْوٍ وفي كَدَرٍ // فهل تخفَّى على الصَّفْصاف والبان ؟) ويؤكِّد: (وانْظرْ إلى حرمونَ الشيخِ كيف بدا // فهل لِهَيْبَتِه الشَّمَّاء وجهان؟).

كان الشاعر شديد التعلُّق بوطنه وكان من أعمق هواجسه حريَّة لبنان المفقودة واستقلاله وسلمه الأهلي. فقد عاش طفولته ولبنان يرزح تحت نير الاحتلال العثماني ويخوض أبناؤه حرباً عالمية لا ناقة له فيها ولا جمل وما انتهت هذه الحرب حتى بدأ عصرٌ جديدٌ أثقل وطأة وقع فيها بلده تحت ظلِّ الانتداب الفرنسي استمرَّ الظلم والاضطهاد خلاله لأكثر من عقدين عانى خلالهما وخلال الحرب العالمية الثانية الفاقة والقسوة والتخلف. وكان أبو شبكة يناجي لبنان في أشعاره الوطنية (لو ترينَ الدمعَ جارياً في الصَّدر مثلَ الجدولِ // تمتلي منه عيوني وخدودي الصفرُ منه تمتلي .. فآستقي منه وداداً .. فدموعي من ودادي يابلادي) ويحضُّ الناس على الفخر بلبنان وحمايته (يابلادي لكِ قلبي .. لكِ آمالي وحبّي .. قالت الدُّنيا: جبيني لم يكنْ لو لم تكوني). ولكنه يلوم المستهترين والمتنكِّرين (وهمُُ الأبناءُ باعوا الأُمَّ في سوقِ المزادِ) ويتوعَّد الظلاَّم (للظلم يومٌ وللمظلوم يومانِ) وذلك لن يتأتَّى إلا بالجهاد الذي به فقط تُرفع الهامات: (أخفضي الرأس الى أَنْ ترفعيهِ بالجهادِ). وما تحقق لأبي شبكة حلمه في أن يرى لبنان، وطن الجمال والحب، عزيزاً مكرَّماً قوياً وموحَّداً .. ولا هو علم بما حصل للبنان بعد إغماضة عينيه الأخيرة .. وقد خصَّ هاجسَه هنري زغيب بجزء من قصيدته في عام 1978 وفي كلامه حرقةٌ وأسى: (تشَرْزَمتْه الأيادي فانتهى مِزَقاً // وكلُّ صَوبٍ غدا في المُلْكِ نيْرونا) دون أن يدبَّ في نفسه التشاؤم (وطعنة الجرح ليست من تسامينا).

وكان أبو شبكة نصيراً للعمال الفقراء يستنكر إهمال الأثرياء والمسؤولين في الحكومة لهم والإعراض عن الاهتمام بقضاياهم والاكتراث بمعاناتهم في حين أن عزَّ ورخاء الأغنياء يقوم أساساً على جهدهم: (يا مَن طلى بدم الفقير عروشه // وتراه يجلس فوقها يرتاحُ - هذي العروش جماجمٌ مرصوفةٌ // في جوفها تتمرَّد الأرواحُ).

أصدقاء الياس أبي شبكة ومعارفه الذين اعتادوا التردَّد إلى داره في الزُّوق أمضوا أمتع الأوقات وأكثرها جدِّيةً وفائدة طُرحتْ فيها شتى المواضيع الفكرية والأدبية والاجتماعية والسياسية ودارت حولها النقاشات وكُتب فيها الكثير. وكان هؤلاء الأصدقاء من مختلف الانتماءات الفكرية والسياسية ومن كافة أرجاء لبنان وجميعهم أحبُّوا أبا شبكة واستمتعوا بأشعاره الجديدة التي ألقاها على مسامعهم. كان الياس يحبُّهم جميعاً ويرحب بهم دوماً ويكره الوحدة (كانت الوحدةُ كالمدفنِ). ولقد كان لمنهج شاعر الحب والرومانس ولرؤاه أثره على معاصريه وأيضاً على شعراء الجيل اللاحق. ونحن إذن لا نستغرب ما سمعناه في مطلع قصيدة الشاعر هنري زغيب عام 1977: (جدَّدْ رؤاكَ أنا أستكملُ السَّفرا // فحُلْمُكَ السَّمْحُ ناداني وبي اختُصِرا).

أحد هواجس أبي شبكة "الموت" الذي كان يخشاه وكأنه يترقبه: (ربَّاه هل ينتهي حُلْمي ببارقةٍ // من اللهيب ويخبو الطّين في الطّينِ - وهل أرى زاحفاً في الليل ملتهباً // بجمرة السّخط في أيدي الشياطينِ). هاهو يتساءل وهو يرى شمعة تذوب (أكلّ شيء، مثلَها لا يدوم؟ ... أينتهي الحبُ كما تنتَهين؟!) وستحل بعدها الظلمة الحالكة (مدفن الأنوار) .. وماذا وراء هذه الظلمة (ماذا وراءَ الليل، هل من ضِياء؟).

وصف الأديب والشاعر اللبناني الراحل جورج غريِّب صديقه الياس أبو شبكة قائلاً: "إنه مجنونٌ بين العقلاء وعاقلٌ بين المجانين". وكان الصداقة بين جورج وأبي شبكة، الذي يكبره بسبعة عشر عاماً، قد تمتَّنت في الأربعينيات إذ كانت تجمعهما النَّدوات الأدبية ومهرجانات الشعر.

بعد وفاة الياس أبو شبكة أُهْمِلَ منزله في الزُّوق الذي كان قد رهنه ذات يوم لدائنين حاول آخرهم في أواسط السبعينيات استغلال علاقات خاصة للقيام بمشروع هدمه وإشادة مبنى متعدد الطبقات مكانه ولكنه منع من ذلك حرصاً من مجلس بلدية البلدة على الحفاظ على تراث أبي شبكة وقد وُضِعت خطة لترميم البيت وتحويله إلى متحف تمَّت بنجاح وجُمعتْ قطع الأثاث المتناثرة وكتب ومجلات وصحف ومخطوطات وأدوات ومقتنيات الشاعر الشخصية والإبداعية وأُصلحت الحديقة التي تضم الأشجار التي أحبَّها والزهور ونُصب على طرفها تمثال نصفي لأبي شبكة بإزميل النحَّات اللبناني المعروف بيار كرم وافتتح المتحف للجمهور في خريف عام 2004.

كعادتها، ورغم الظروف القاسية، كرَّمت الأوساط والمجالس الثقافية اللبنانية الشاعر الكبير الياس أبو شبكة في مناسبات عديدة وفي مهرجانات أقيمت خصيصاً له. في 13 آذار عام 1977 احتُفل بثلاثين الشاعر في الكسليك برعاية "مجلس كسروان الثقافي" وألقيت الكلمات والقصائد التي كان من بينها قصيدة الشاعر هنري زغيب (لكي تُحَبَّ أتيتَ الأرضَ) وفي العام التالي احتفلت بلدة زوق مكايل بالذكرى الحادية والثلاثين وقد ألقى زغيب قصيدة أخرى بعنوان (تأملات على تلَّة الزُّوق) قال فيها:

نُحْييكَ؟

أمْ أنتَ في ذكْراكَ تُحْيينا؟

يا شاعرَ الحبّ

ضَيَّعْنا الهوى فينا

هو الخلودَ

تمنَّيْنا نُشارفه

حتى غدا يتغاوى في تَمَنِّينا

والعبقريُّونَ في أبراجهم هنِئوا

نشْتاقُهمْ

وهُمُ بالمجْد ساهونا

نجيئُهمْ خلَلَ الذِّكرى

نُعاوِدُها لكي نحُسَّ بأنَّا بعْدُ باقونا ..

......

......

نأتيكَ؟

أم أنتَ في ذكْراكَ تأتينا؟

يا شاعرَ الحبّ

ضَيَّعْنا الهوى فينا

فاغْفِرْ لنا أننا جِئْناكَ مُفْتَقَداً

ما نحنُ نحْييكْ لكنْ أنتَ تُحيينا



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|
  27/01/2010
الاسم :   حبيب حبيب
عنوان التعليق :    هذا الوفاء له
الايميل :   
التعليق :

مَن لم يذقْ في الخُبز طعم الألَمْ
من لم يُغمِّسْ في هواه دَمَهْ ..
ولا يرى في كل جرح حِكَمْ ..
مَن يَصرفِ العُمرَ على المُخمَلِ
ولا يذوقُ البؤسَ في الأولِ
ولا الأسى في مخدَعٍ مُقفَلِ ..
لن يعرفَ، العُمرَ، شعَاعَ الإلَهْ
ولَن يَرى آمالَه في رؤاهْ
بل عالماًًً يخبِط في مهزَله 

(جدَّدْ رؤاكَ أنا أستكملُ السَّفرا // فحُلْمُكَ السَّمْحُ ناداني وبي اختُصِرا).

أقول وبتواضع وبالشعر : هذا الشبل من هذا الأسد.

 

د. مسوح

 رائع ما أعدت نشره لنا عن هذا الجنون لندرك أن في كثير من الأحيان، هؤلاء المجانين الذين يمشون في الطرقات ويهزّون أكتافهم، هم عقلائنا وأدبائنا وشعرائنا وموسيقيونا ورسّامينا.

لاشيء يأتي من فراغ، لا فن ولا شعر ولا رسم ولا أدب.. يأتي من ترف، هي ال ( لا ) فلسفة التغيير والإبداع شرارته.. ثلاثية الظلم والفرح والحزن، التي إمّا أن تذهب فينا فنبدع شيئاً في هذا الكون ونضيف وهذا ما أراده الله لنا، وإما تذهب فينا إلى التديّن خوفا، لا إلى الإيمان الحقيقي.

هذا المتمرّد على الواقع بأشكاله ومحاباته الحبيبة والطبيعة والذي كتب نفسه صادقاً في كلّ حالاته وبجرأة نادرة قائلاً: كيف أكذب والدنيا تصارحني؟!

والذي لم يظهر الخوف عنده إلاّ من الموت، يبقى منه جنون بين العقلاء وعقل بين المجانين .

بحضرني هنا ما قالت الروائية أحلام مستغانمي:

(نحن ساديّون بفطرتنا. يحلو لنا أن نسمع عذابات الآخرين ونعتقد، عن أنانية، أنّ الفنّان مسيح آخر جاء ليصلب مكاننا.

عذابه يحزننا ويسعدنا في آن واحد. قصّته قد تبكينا، ولكنّها لن تمنعنا من النوم، ولن تدفعنا إلى إطعام فنّان آخر، يموت جوعاً أو قهراً أمامنا. بل إنّنا

نجد من الطبيعي أن تتحوّل جراح الآخرين إلى قصيدة نغنّيها، أو لوحة نحتفظ بها، أو نتاجر بها، للسبب نفسه.

أليس الجنون قاسماً مشتركاً بين كلّ المبدعين، وكلّ المسكونين بهذه الرغبة المرضية في الخلق؟....

شكراً إستاذ إيلي لإ حياءك الذكرى هذه السنة بسؤالك، وشكراً د. مسّوح لإعادة نشر ما لم نعرفه والذهاب بنا إلى هذا الركن من بستانك، وشكراً للشاعر هنري زغيب الذي بدت أياديه البيضاء في إحياء هذا الكنز أدباً ومنزِلاً.

...بقي شعره وهذا الوفاء كلّه

أجمل ما قرأت وعرفت بالأدب هو أدب المهجر وأدب جبران لصدق المشاعر، وهذا الياس أبو شبكة، بهذه النبذة عن حياته وشعره جلا أنّ الصدق كان رداؤه من الداخل.

 

متعة القراءة أن تجد وتعرف ذاتك فيها أكثر. وليس بالضرورة أن تكون شاعراً أو كاتباً.

 

  14/03/2008
الاسم :   هنا
عنوان التعليق :   عاشقة الشعر
الايميل :   hanaa1992
التعليق :

شاعر رائع الله يرحمو

  27/01/2007
الاسم :   الدكتور مفيد مسوح
عنوان التعليق :   تصحيح
الايميل :   moufeedmassouh@gmail.com
التعليق : السيد د. ماهر صيادي شكراً لملاحظتك وأقدر عالياً حرصك بالفعل ورد سهواً اسم أبي شبكة (أبي ريشة) ربما بسبب حضور الشاعر عمر أبي ريشة في ذهني وأنا أكتب عن الياس أبي شبكة سنقوم بتصحيح الخطأ تحياتي وأهلاً بكم دائماً في "جماليا"
  26/01/2007
الاسم :   د. ماهرصيادي
عنوان التعليق :   جهد مشكور
الايميل :   msayadi@eim.ae
التعليق : ورد في معرض الحديث عن حياة الشاعرالياس أبوشبكةالتالي:" ونُصب على طرفها تمثال نصفي لأبي ريشة" فهل المقصود"لأبي شبكة"؟ وشكرا لجهودكم المستمرة. د.ماهر صيادي