الشاعر اللبناني هنري زغيب: فصول أدبية في ذكرى أبو شبكة

 
حاوره: د. مفيد مسوح 18/02/2007
 
  

باسم قرَّاء "جماليا" أرحِّب بالشاعر والنَّاقد اللبناني هنري زغيب، إضاءةً لستين سنة على رحيل أحد ألمع شعراء لبنان في القرن العشرين، وأحد أعلام الصَّحافة الأدبية فيه.

 

*) ستون عاماً مرَّت على رحيل الياس أبو شبكة. ما أولى الصُّور التي تأتي مخيلتك وأنت تتذكره؟

-  توفي الياس أبو شبكة (1947) قبل ولادتي بسنتين. غير أنني أشعر به صديقاً وكبيراً عرفتُه على حياته، لشدّة ما التصقْتُ بحياته سيرةً ونتاجاً. فالصدف جمعتني بالمرأتين اللتين شكّلتا محور حياته: زوجته أولغا ("غلواء") وأميرة شعره ليلى (عروس "نداء القلب" و"الى الأبد"). غير أن قصتي الطريفة معه هي التي أساس معرفتي إياه. وتتلخَّص بأنني، في طفولتي، كنت أُمضي فصل الصيف عند جدَّتي في الضيعة، وهناك ألهو وألعب مع أترابي وأكتب فروض العطلة الصيفية التي كنا نُعطاها في نهاية العام الدراسي. ويبدو أنني كنتُ، منذ طفولتي تلك، موهوباً بكتابة العربية، فكان جدّي يأنس الى سماعي أقرأ له فروض الإنشاء لدى عودته مساءً من عمله في الدكان الذي كان يملكه في ساحة الضيعة. وذات مساء صيفي من 1958، وكنتُ في العاشرة (أنا من مواليد نهاية 1948) وصل كعادته وطلب مني بعد العشاء أن أقرأ له فرض الإنشاء، فانتصبتُ أمامه في وقفة خطابية، ورحتُ أقرأ له فرضي الذي كان "وصف الحقول في فصل الربيع". وما انتهيتُ من القراءة "الخطابية" تلك حتى لمحتُ عينيه رغرغتا بدموع الغبطة من هذا "الحفيد"، واستدرتُ لأضع دفتري في حقيبتي الجلدية فشعرتُ بجدتي تقترب من جدي وتقول له بعفويتها الجبلية: "لم أفهم حرفاً مما قاله الصبي. لكنني أحببتُ طريقة قراءته. إنما أخاف أن يصبح غداً عندما يكبر مثل ذاك المجنون عندنا في الضيعة". فطمْأنها جدي الى أنني لن أكون كذاك المجنون، وانطوت هي تكمل عملها المعتاد. نمتُ تلك الليلة وأنا أفكر بذاك المجنون شبّهتني به جدتي، ولماذا شبّهتني به. صباح اليوم التالي، فور نهوضي من الفراش، بادرتُ جدّتي بعدما كان جدّي خرج الى الدكان: "من هو هذا المجنون الي شبَّهتِني به أمام جدّي ليلة أمس؟" فهدّأت من استغرابي وقالت بلهجة باردة عادية: "لا تهتمّ له يا حبيبي. هذا واحد مجنون كان عندنا في الضيعة، في زوق مكايل، يمشي على الطريق ويحكي لوحده، يهز بعصاه وكتفيه فيما يمشي، ويُخاطب الأشجار حوله. كنا نسميه "المجنون". وكان اسمه الياس أبو شبكة. يقولون إنه شاعر". بقي الاسم في بالي، حتى إذا انتهت العطلة الصيفية وعدتُ الى البيت في الساحل، طلبتُ من أبي أن يشتري لي كتب الشاعر الياس أبو شبكة، ففعل. وأخذت أقرأُها في تلك السن المبكرة ولا أفهم منها شيئاً. لكنها بقيت أمامي في المكتبة أعود إليها بين الفترة والفترة حتى كبرتُ وأخذتُ أفهمها تدريجاً. ومنذ تلك الفترة تعلّقتُ بالشعر وأحببتُ حياة الشعراء. وماتت جدّتي (سنة 1966) وهي لا تدري بأن كلمةً عابرةً قالتها في ليلة صيفية من ليالي طفولتي غيّرت قدري كله وحوّلت حياتي صوب الشعر.

    وكان من حسن الصدف كذلك أن يكون والدي على معرفة بأولغا زوجة الشاعر، وليلى صديقته الغالية، فعرّفني إليهما وأخذت أتردد عليهما طويلاً، منذ يفاعتي حتى غيابهما قبل سنوات، وألملم منهما نُبذاً مهمة جداً من حياة الشاعر الشخصية والمهنية والشعرية، حتى بات أبو شبكة أقرب الغائبين إليّ. لذا قلت في مطلع هذا الجواب إن أبو شبكة (1947) توفي قبل ولادتي بسنتين، لكنني أشعر به صديقاً وكبيراً عرفتُه على حياته، لشدّة ما التصقْتُ بحياته سيرةً ونتاجاً.

 

*) ما أهمّ محطَّات حياة أبو شبكة التي تكوَّنت في ظلها شخصيته الأدبية؟

-  في حياة الياس أبو شبكة أربع محطات نسائية:

1) أولغا: الصبية التي كانت جارته في زوق مكايل، فأحبَّها عنيفاً وخطبها سنة 1922 تسع سنوات حتى تزوَّجها عام 1931، وهي التي قَلَبَ أحرف اسمها الى "غلواء" وكتب فيها أجمل مطالع شعره، وخصَّص لها كتابه الشعري "غلواء" الذي أصدره سنة 1945.

2) وردة: واسمها الأصلي "روز" وهي امرأة متزوجة في زوق مكايل، ارتبط معها بعلاقة جسدية محمومة هي التي كتب فيها معظم قصائد كتابه الرائع "أفاعي الفردوس" الصادر سنة 1938.

3) هادية: وهي امرأة مصرية جميلة الصوت أحبها وكانت تُشد من قصائده في الحفلات العامة والخاصة.

4) ليلى: وهي المرأة التي أحبها حتى الجنون العاشق فكتب لها قصائد "نداء القلب" (صدر سنة 1944) وقصائد "الى الأبد" (صدر سنة 1945).

ومن هذه المحطات النسائية الربع تشكّلت حياة الشاعر الشخصية والعاطفية، وحولها تمحورت حياته المهنية كاتباً في الصحافة اللبنانية ("البرق"، "المعرض"، "صوت الأحرار"، "المكشوف"، ...).

 

*) يحلو للكثيرين إطلاق لقب "شاعر الحب" على الياس أبو شبكة. وأنت من قلائل يعرفون عن مكانة الحب في شخصية أبو شبكة وشعره. فماذا تقول ؟

    - هذا صحيح. ولعلّه من الشعراء القلائل الذين يمكن اعتبار قصائدهم سيرة حياتهم، لشدّة ما التصقت قصائده بحياته الشخصية، ولشدّة ما كان صادقاً في التعبير عن مشاعره ولو على حساب زواجه أحياناً، لأن إخلاصه للحب كان عنده فوق كل اعتبار.

 

* في شعر أبي شبكة رومانسية جميلة وقدرة على نقلنا إلى عالم التخيُّل والهيام، وهذا يلائم فنون التعبير مثل الغناء والمسرح. لم نلاحظ أن الملحنين والمغنّين استفادوا من أشعار أبو شبكة. ما السَّبب برأيك؟

    - هذا طبعاً تقصير فاضح. في البداية كانت حقوقه مع زوجته ولم يسألها أحد هذا الأمر. واليوم أصبح أبو شبكة حقاً عاماً (بعد مرور خمسين عاماً على وفاته) ولم يتنبه إلى روائعه الشعرية أحد من الملحنين أو المغنين. لذا أدعو الملحنين والشعراء، من موقع "جماليا"، الى قراءة قصائد هذا الشاعر الفريد في دواوينه الخالدة ("غلواء"، "الى الأبد"، "نداء القلب"، "أفاعي الفردوس"، "من صعيد الآلهة"،...) فإنهم واجدون فيها روائع تكبر الألحان أن تلبسها ويكبر المغنون أن يغنوها.

 

*) ما القيم الإبداعية الخاصة التي تميَّز بها شعر أبو شبكة؟ وهل أفاد معاصروه أو الذين أعقبوه من هذه القيم؟

- كان أبو شبكة نسيجاً متميزاً، بطبعه وشخصيته وسلوكه، بين أترابه ومجايليه من الشعراء في عصره. وهو كان رومنطيقياً بامتياز في فترة انتشرت خلالها المدارس الشعرية من رمزية وبارناسية وواقعية، لكنه هو لم يتبدل بين تيار وآخر. بقي على نمطه الشعري متمسكاً به، مباهياً به، مطوّراً إياه في جماليا شعرية رائعة، سواء في المضمون الذي قد لا يكون على جدة لافتة، أو في الشكل الذي خرج فيه عن عمود الشعر العربي الكلاسيكي الى أوزان وبحور لم تَخُن الأصل لكنها جدّدت فيها الى تشكيلات وزنية محببة سرت بعده نماذج لشعراء الجيل الذي تلا. معاصروه نحوا مثله الى حد كبير، والجيل بعده نحا بعيداً عنه مع الأسف.

 

*) كان الياس أبو شبكة ناقماً على الظلم والظالمين يكره الأنانية والكذب والادعاء والانتهازية ويعزي تخلف المجتمع ومظاهره إلى انعدام العدل وإلى تقاعس الناس عن المطالبة بحقوقهم. فهل فعل أبو شبكة شيئاً عدا قوله الشعر في ذلك؟

- قد لا يكون "فعل" بالمعنى الميداني، لكن شخصيته كانت لافتة في هذا الشأن. ومن هنا ما عرفه في حياته من خصومات أدبية أو شخصية كان أصحابها يخرجون عن تلك الاستقامة التي ميزت أبو شيكة في تعاطيه مع الناس، كما كان ناقماً في كتاباته على المسؤولين السياسيين في عصره، فكانت مقالاته اللاذعة قاسية قوية لاهبة لأن حملاته السياسية كانت بلا هوادة.

 

*) كانت لأبو شبكة في حياته صداقات حميمة مع أدباء ومفكرين لسياسيين لبنانيين، وكان بينهم يساريون شاطروه الاهتمام بقضايا الوطن ومعاناة الفقراء وهواجس بناء مجتمع متطور يسوده العدل والرخاء والمناعة. ولم يكن أبو شبكة ذا حماسة للانضمام إلى أية كتلة أو تجمُّع أو حزب سياسي. لماذا برأيك؟

-         هذا صحيح. كان قريباً من الحزب الشيوعي اللبناني وكان له في صفوف الحزب أصدقاء مقربون (يوسف ابرهيم يزبك، حسين مروه، رئيف خوري،) كما كان قريباً من حزب الكتلة الوطنية وكان له في صفوف الحزب أصدقاء، غير أن من كانت له شخصية أبو شبكة النفورية المتميزة بالعصبية المتطرفة، لا يمكنه أن ينضوي في أوامر حزبية أو بانضواء في عمل حزبي يقيّده من حرية التفكير والتعبير.

 

*) كيف كرَّم لبنان الرسمي ولبنان الشعبي شاعرنا؟ وهل من تكريم له على مستوى أبعد من لبنان؟

- لم يقصّر لبنان في تكريم أبو شبكة. فندوات تكريم ذكراه تتالت عبر السنوات. وصدرت عنه كتب كثيرة ودراسات وفيرة وأطروحات جامعية رصينة. وكان للجنة "الأوديسيه" نصيب كبير في بعض هذه التكريمات، وفي طليعتها الاحتفال بخمسينية الشاعر (1947-1997) في القصر البلدي (زوق مكايل) بمهرجان شعري كبير شارك فيه كبار الشعراء: سعيد عقل، محمد الفيتوري، عبدالوهاب البياتي، فاروق شوشه، سليمان العيسى. وأبرز ما تم على الصعيد الرسمي، تحويل بيته في زوق مكايل متحفاً، بفضل جهود رئيس بلدية زوق مكايل المحامي نهاد نوفل. ويتم حالياً جمع تراثه لإغناء المتحف به.

 

*) ماذا تقول لمحبي الشعر من شبيبة الجيل الحالي في أهمية أن يعرفوا شعر السابقين مثل أبو شبكة؟

- لن يكونوا أبناء هذا العصر إن لم يقرأوا الكبار، وفي طليعتهم الياس ابو شبكة الذي خاطب الجيل الجديد بكل حب:

لنا الشباب، لنا الإيمان في دمه          إذا الكهولُ تراخوا فيه والشِيَبُ

 

في الختام أتقدَّم باسم قرَّاء "جماليا" منكم أستاذ هنري زغيب، الشاعر والنَّاقد اللبناني النَّشيط الحاضر في جميع مناسبات وفعاليات لبنان الأدبية والفنية متمنياً لك الصحَّة واستمرار القدرة على العطاء والاحتفال برموز لبنان ورموز الفكر الإنساني النيِّر والآداب الخالدة، آملين لقاءك في مناسبات قريبة. وأدعو قرَّاء "جماليا" الأعزاء إلى التعرُّف عن قرب على شاعرنا الكبير الذي نحتفل هذا العام بستينية غيابه – الياس أبو شبكة.

 

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|