ثورة أهل الجحيم

 
جميل صدقي الزهَّاوي 30/01/2012
 

جميل صدقي الزهَّاوي

ثورة أهل الجحيم

25 تشرين الأول 1929

 

 

بعد أن متُّ

واحتواني الحفير

جاءني منكرٌ وجاء نكيرُ

مَلِكانِ

اسطاعا الظهورَ ولا أدري

لماذا وكيف كان الظهورُ ؟!

لهما وجهانِ

ابْتَنَتْ فيهما الشرَّةُ عِشَّاً

كلاهما قمْطَريرُ

ولكلٍ أنفٌ غليظ ٌ طويلٌ

هو كالقرن بالنِّطاح جديرُ

وفمٌ مهروسٌ يضاهي فمَ الليث

يريني ناباً هو العنْقريرُ

وبأيديهما أفاعٍ غلاظٌ

تتلوَّى مخيفةً

وتدورُ

وإلى العيون ترسِل ناراً

شرُّها من وميضها مستديرُ

كنتُ في رقدةٍ بقبري إلى أنْ

أيقظانيَ منها

وعاد الشعورُ

فبدا القبرُ ضيقاً ذا وُخومٍ

ما به للهواء

خرمٌ صغيرُ

إنَّ تحت الأرض إلا قليلاً

منزلُ المرء ذي الطموح الأخيرُ

ألِمنْ خابَ حفرةٌ ذاتُ ضيقٍ

ولِمن فاز روضةٌ وغديرُ؟

 

 

أتيا للسؤال،

فظَّين،

حيث الميْتُ بعد استيقاظه مذعورُ

عن أمورٍ كثيرة

قد أتاها

يوم كان في الأرضِ حيَّاً يسيرُ

نظرةٌ ..

صيحةٌ .. ثم حوارٌ

بين أقساهُما وبيني يدورُ

واقفاً لي كأنَّما هو نسرٌ

وكأني أمامه عصفورُ

خار عزمي

ولم أكن أتظنَّى أن عزميَ يوماً لشيءٍ يخورُ

ولقد كنت في البداية أشحى

مثلما يشحى للخشاة الذًَّعورُ

ثم إني ملكْت نفسي كأني

لست أخشى شيئاً

وإني جسورُ

مُظهِراً أنني أحمل نفْساً

لـم يكن للشكوك فيها خطورُ

غير أني صدعْتُ بالحق في الآخر حتى

التَأثَتْ عليَّ  الأمورُ

في الأديب الحرِّ النِّفاقُ ذميمٌ

وهو ما لا يرضاه مني الضميرُ

فألمَّتْ بيَ الرَّزيةُ

حتى ضجِرتْ من ضجيج قبري

القبـورُ

 

 

 

حـــوار

 

قال: مَنْ أنت؟

وهو ينظر شزراً

قلت: شيخٌ في لحْده مقبورُ

قال: ماذا أتيتَ إذ كنْتَ حيَّاً؟

قلت:

كلُّ الذي أتيتُ حقيرُ

ليس في أعمالي التي كنت آتيها على وجه الأرضِ

أمرٌ خطيرُ

قال: في أيٍّ من ضروبِ الصناعات تخصَّصتَ؟

إنهنَّ كثيرُ!

قلت: مارستُ الشعر ..

أرعى به الحقَّ وقد لا يفوتني التصويرُ

قال: ما دينك الذي كنتَ في الدنيا عليه،

وأنتَ شيخٌ كبيرُ

قلت: كان الإسلام دينيَ فيها

وهو دينٌ

بالاحترام جديرُ.

قال: مَن ذا الذي عبدْتَ؟

فقلتُ: اللهَ ربِّي

وهو السَّميع البصيرُ.

قال: ما ذا كانت حياتك قبْلاً،

يومَ أنتَ الحرُّ الطَّليق الغريرُ؟

قلت: لا تسألنِّيَ عن حياةٍ

لم يكن في غضونها لي حبورُ ..

كنتُ عبداً ..

مُسيَّراً غيرَ حُرٍّ،

لا خيارَ له ولا تخْيير

ما حبونيَ شيئاً مِن الحَول والقُدرة

حتى أديرَ ما لا يدورُ ..

كان خيراً مني الحجارة تثْوى

حيث لا آمرٌ ولا مأمورُ.

 

قال: هلاَّ كسِبْتَ غيرَ المعاصي؟

قلت: إنْ ما كسِبْتُ فربِّي غفورُ

كان إثميَ أني

إذا سألوني لم أقل ما يقوله الجمهورُ

إنَّهم مِن أوهامهم في إسارٍ

ولقد لا يرضيهُمُ التَّحريرُ

وإذا لم يكن هنالك رأيٌ

ليَ أفضي به

فلا أستعيرُ،

ربَّ أمرٍ يقول في شأنه العقلُ نقيضَ الذي يقول الضميرُ

ثمراتُ الأحراثِ لا تتساوى ..

هذه حنطةٌ وهذا شعيرُ ..

وقشورٌ وما هناك لبابٌ

ولبابٌ وما هناك قشورُ

يتبع الجاهلُ الهوى أخاه

مثلما يتبع الضَّريرَ الضَّريرُ.

 

قال: هل صدَّقت النبيِّينَ فيما بلَّغوه

ولم يعقْك الغرورُ؟

والكتابَ

الذي من الله قد جاء

فأدلى به البشير النذيرُ؟

قلت في خشية: بلى ..

وفؤادي

مِن شعاع به يكاد يطيرُ ..

إنه مُنزَلٌ مِن الله ..

يهدي النَّاسَ طرَّاً .. فهو السِّراجُ المنير!!

 

قال: هل كنتَ للصَّلاة مقيماً؟

قلت: عنها ما أنْ عراني فتورُ ..

إنما في اقتناء حورٍ حسانٍ بصلاةٍ

تجارةٌ لا تبورُ.

قال: هل صُمْتَ الشهرَ من رمضانٍ؟

قلت: قد صمتُه .. وطابَ الفطورُ.

قال: هل كنتَ للزَّكاة بمُؤتٍ؟

قلت: ما كان لي بها تأخيرُ.

قال: والحجُّ .. ما جوابك فيه؟

قلت: قد كان لي بحجِّي سرورُ.

قال: هل كنتَ للجهاد خفيفاً؟

قلت: إني لَبالجهاد فخورُ.

قال: هل كنتَ قائلا ً بنشورٍ؟

قلت: ربِّي على النشور قديرُ ..

فإذا شاء للعباد نشوراً

فمن السهل أن يكون نشورُ.

قال:

ماذا تقول في الحشر والميزان ثم الحساب وهو عسيرُ؟

والسؤالُ الدقيق عن كل شيءٍ

والصراط الذي عليه العبورُ؟

والجنانُ التي بها العسل الماذيُّ قد صفُّوه ..

وفيها الحورُ ..

وبها البان تفيضُ ولهوٌ

وأباريقُ ثرَّةٌ

وخمورُ

وبها رمَّانٌ ونخلٌ وأعنابٌ وطلحٌ

تشدو عليه الطيورُ

ليس فيها أذىً ولا موبقاتٌ

ليس فيها شمسٌ ولا زمهريرُ ..

والجحيم ..

التي بها النار تذكو

في دهورٍ وراءهنَّ دهورُ

إنما المهلُ ماؤها .. فهو يغلي

والهواء الذي يهبُّ الحرورُ

تلك فيها للمجرمين عذابٌ

تلك فيها للكافرين

سعيرُ

إنَّ مَن كان كافراً

فهو فيها، وإن اعتاد أن يبرَّ،

خسيرُ !

هو في نارها الشديدة حرَّانُ

وفـي زمهريرها مقرورُ !!

 

قلت:

مهلاً يا أيها الملك المُلحَّف .. مهلاً

فإن هذا كثيرُ

كان إيماني في شبابيَ جماًّ

ما به نذرةٌ ولا تقصيرُ

غير أن الشكوك هبَّت تلاحقني

فلم يستقر مني الشعورُ

ثم عاد الإيمان إلى أنْ

سلَّه الشيطان الرجيم الغرورُ

ثم آمنتُ ..

ثم ألحدتُ

حتى قيل "هذا مذبذبٌ ممْرورُ"

ثم دافعتُ عنه بعد يقين

مثلما يدافع الكميُّ الجَسورُ

وتعمَّقْتُ في العقائد

حتى قيل "هذا علاّمةٌ نحريرُ"

ثم أني في الوقت هذا،

لخوفي،

لست أدري ماذا اعتقادي الأخيرُ.

 

 

 

الصّــراط

 

لم يربْنيَ أمرُ الصّراط مقاماً

فوق وادٍ من الجحيم

يفورُ

غير أني أجلُّ ربَّك من اتينِ ما يأباه الحجى والضميرُ

فإذا صحَّ أنه كغرار السيف

أو شعرةٌ فكيف العبور؟

لا تَخَلْ أنْ عبرَ جسرٍ دقيقٍ

ذرعُه آلاف السنين يسير

أنَّ ألفاً من صعود

وألفاً ذو استواء سمحٍ

وألفاً حدورُ

أنها شقة تطول فلا يقطعها إلا البهْمةُ المحضيرُ

ولعلَّ الذين ضحُّوا بأكباشٍ

عليهم بهذا يهون المرورُ ..

أنا لو كنتُ بالبعير أُضَحِّي

سارَ بي مُرقلاً عليه البعيرُ

ولو أنِّي ركبتُ صهوةَ يعفورٍ

مضى بي يستعجل اليعفورُ

ولو أنِّي هويتُ -لا سمح الرحمن-

منه فيها لساءَ المصيرُ

لا يطيب الخلود في لجج النار

فإن الخلود شيء كثيرُ

ربَّنـا ..

لا ترسلْ علينا عذاباً

ليس فينا على العذاب صَبورُ

ربَّنـا ..

ارْفق بنا فإنَّا ضعافٌ

مالنا من حَولٍ وأنتَ القديرُ.

 

 

 

الملائكة والشياطين

 

قال: ماذا رأيتَ في الجن قبْلاً؟

ومِن الجن صالحٌ شرِّيرُ ..

ثم في جبريلَ،

الذي هو بين اللهِ ذي العرش والرسولِ

سفيرُ؟

ثم في الأبرار الملائك حول العرش

والعرش قد زهاه النورُ ..

فتدوِّي السماءُ في السَّمْع مِن تسبيحهِم

مثلما يدوِّي القفيرُ ..

ثم في الخنَّاس

الذي ليس من سواه في الحياة تخلو الصُّدورُ

والعفاريتُ ذاهبين عراةً

تجفلُ الوحشُ منهمُ

والطيورُ

والشياطينُ .. مفسدينَ

بهم قد ضلَّ ناسٌ

همُ الفريق الكبيرُ !!

قلت: لله ما في السماوات والأرض

وما بينهنَّ خلق كثيرُ

غير أنيَ أرتاب

في كل ما قد عجز العقل عنه والتفكيرُ

لم يكن في الكتاب من خطأ

كلاّ

ولكنْ أخطأ التفسيرُ.

 

 

 

السفـور والحجـاب

 

قال: هل في السفور نفع يُرَجَّى؟

قلتُ:

خير من الحجاب السُّفور

إنما في الحجاب شلٌ لشعب

وخفاءٌ

وفي السُّفور ظهورُ

كيف يسمو إلى الحضارة

شعبٌ .. منه نصفٌ عن نصفه مستورُ؟!

ليس يأتي شعبٌ جلائلَ

مالم تتقدَّمْ إنأثُه والذكورُ

إنَّ في رونق النهار أناساً

لم يُزَلْ عن عيونها الدَّيجورُ.

 

 

الإلــــه

 

قال:

ماذا هو الله ؟؟

فهل أنتَ مُجيبي كما يجيبُ الخبير؟

قلت: إن الإله فوق منال العقل منَّا

وهو العزيز الكبيرُ

إنما هذه الطبيعة .. ذات اللاتناهي

كتابُه المَسطورُ

إنها للإله سِفرٌ قديمٌ

ذو فصولٍ والكائناتُ سطورُ

ولقد قال واصفوه

"هو العالِم هنا بما تكنُّ الصُّدورُ ..

إنه في الجبال والبَر والبحر ..

مـن الأرض والسماوات نورُ

فله الأرض .. ما لها مِن سكونٍ

والسماوات .. ما بهنَّ فطورُ

كل حيٍّ به يعيش ويَرْدى

ليس إلا كما أراد الأمورُ

إنه واهب الوجوه .. فلولاه ..

لما كان للوجوه ظهورُ

إنه واجب الوجود

فقد كان .. ولا عالمٌ ولا دستورُ

عرشُه في السماء ..

وهو عليه مستوٍ

ما لأمره تغييرُ

وهو يهتزُّ للمعاصي

كما يهتزُّ في زرقة الصباح السَّريرُ

وهو، إن قال كنْ لشيء،

سيكون الشيءُ مِن فوره .. فلا تأخير".

.. إنَّ هذا ما قد تلقَّنته

والقلب مِن شكِّه يكاد  يخورُ

قلتُ ما قلتُ

ثم إنك لا تدري أحقٌ ما قلتُه أمْ زورُ؟

وأرى في الصفات ما هو لله

تعالتْ شؤونُه تصغيرُ

ما عقابي من بعد ما صحَّ نقْلاً ؟!

إن ما قد أتيتُه مقْدورُ

ليس في ما جئتُه مِن خَيارٍ

إنني .. في جميعه مجبورُ

وإذا كان منه كفري وإيماني

فإن الجزاء شيءٌ نكيرُ

ألِلَهْـوٍ؟!

واللهُ ليس بلاهٍ ..

أمْ لِجـُورٍ !!

واللهُ ليس يجورُ ..

أمِن الحَقِّ خلْقُ إبليسَ؟

وهو المستبِدُّ المُضلِّل الشِّريرُ !

إنه يلقي في النفوس شكوكاً ذاتَ أظفارٍ

نزْعُهنَّ عسيرُ

إنما في الدَّارَينِ عُسْفٌ وحَيفٌ

غير أن السَّماء ليستْ تَمورُ

فلناسٍ تعاسةٌ وشقاءٌ

ولناسٍ سعادةٌ وحبورُ.

 

قال: ما ذاتُه ؟

فقلتُ مجيباً بلسان قد خانه التفكيرُ:

إنني لا أدري مِن الذات شيئاً

فلقد أُسْدِلتْ عليها السُّتورُ

إنما علميَ كلُّه هو أنَّ اللهَ حيٌ

وأنه لا يبورُ

ما لكلِّ الأكوانِ إلا إلهٌ واحدٌ لا يزولُ

وهو الأثيرُ

ليس بين الأثير والله فرقٌ

في سوى اللفظ

إنْ هداكَ الشعورُ

وبحسبي إني صدعْتُ بما أدري على علمي أنه سيضيرُ.

 

 

استمرار التحقيق والإعراب عن المَلَل

 

وإذا لم أردْ لأبسطََ رأيي في جوابي

فإنني معذورُ

أمِن السَّهل أنْ أغيَّرَ قلبي

بعد ما في فؤاديَ بانً القثير؟

 

قال: إني أرى بخدِّك تصعيراً،

فهل أنت يزدهيك الغرور؟

قلت: مَن ماتَ لا يصعرُ خدَّاً

ليس بالموتى يُخلق التصعيرُ

إنني أخشى الظالمين فلا أفتي

إليهم بما برأسي يدورُ

أيُّ ذي مشْكَةٍ يقول صريحاً

وعليه سيف الأذى مشهورُ ؟!

لا تكونا عليَّ فظَّين في قبري

فإنيَ شيخٌ بعطف جديرُ

إن قول الحق الصراح على الأحرار حتى في قبرهم محظورُ!

فدعاني في حفرتي مستريحاً

أنا من ضوضاء الحياة نَفورُ

أتعبتني الأيام إذ كنتُ حيَّاً

وأنا اليوم للسكون فقيرُ

اتْركاني وحدي

ولا تزعجاني

بزيارات ما بهنَّ سرورُ

اتْركاني

ولا تزيدا عنائي

بسؤالٍ .. فإنني مَوتورُ

لم تُصَنْ من جرأة المستبدِّين على الهالكين حتى القبور؟!

كيف أفضيتما إليَّ بقبري

وعليه جنادلٌ وصخور؟؟

قلت لما هبطتُ أعماقَ قبري:

ليس خيراً من البطون الظهورُ

فإذا القبرُ ضيقٌ بذويه

وإذا القبر فيه كربٌ كثيرُ

إنما الدائراتُ في كل وقتٍ

ومكانٍ على الضعيف تدورُ.

 

قال: هذا هو الهراء وما أن

لاحتجاج تلغو به تأثيرُ.

قلت في غصَّة:

إذن فاصنعا بي ما تريدانَه

فإني أسيرُ

عذِّباني هنا إذا شئْتُما أو

ألقياني في النار وهي تثورُ

كنت لا أدري

يوم كنت على الأرض طليقاً

أن الحياة تدورُ

وسأمشي إلى جهنمَّ مدفوعاً

وخلفي كالسيل جمعٌ غفيرُ

إنما سألتماني عن أمورٍ

هي ليست تغْني وليست تضيرُ !!

 

فلماذا لم تسألا عن ضميري؟

والفتى مَن يعفُّ منه الضميرُ

ولماذا لم تسألا عن جهادي في سبيل الحقوق؟

وهو شهيرُ

ولماذا لم تسألا عن زيادي عن بلادي

أيام عزَ النَّصيرُ؟

ولماذا لم تسألا عن وفائي؟

ووفائي لمَن صحبتُ كثيرُ ..

ولماذا لم تسألا عن مساعيَّ لإبطال الشرّ؟

وهو خطيرُ

عن دفاعي عن النساء، عليهنَّ من الشقوة الرجالُ تجورُ؟

وسلاني عما نظمْتُ من الشعر فبالشعور يرتقي الجمهورُ

وسلاني عن نصريَ الحقَّ، وَثـَّاباً به

وهو بالسؤال جديرُ

إنما الشِّعر سلَّمٌ للمعالي

ثم فيه لأمَّة تحريرُ

إنه تارةً لقومٍ غناءٌ ليناموا

وتارةً تحذيرُ

وسلاني عن جعليَ الصِّدقَ كالصَّخر

أساساً تُبنى عليه الأمورُ

إنما الصّدق في النُّفوس خطابٌ

خير ما تنطوي عليه الصُّدورُ

وسلاني عن حفظيَ الفنَّ مِنْ أنْ يعتريه

قبل التَّمام الدّثورُ ..

أسكوتٌ عن كل ما هو حقٌ؟

وسؤالٌ عن كل ما هو زور؟!

 

قال: كل الذي عرضْتَ علينا، أيها الشيخ الهمّ،

شيءٌ حقيرُ

نحن لسنا بسائلين سوى

ما كان حول الدين المبين يدورُ

فإفدْنـا إذا ما كنتَ ذا صلةٍ بالدينِ واذْكُرْ

ماذا هو التقديرُ

ثم زد ما تقول في جبل القاف

أحقٌ فحواه أم أسطورُ؟

جبلٌ من زُمُرُّدٍ

نصفُ أهله ذوو إيمان

ونصفٌ كفورُ

جبلٌ .. إنْ أرسلْتَ طرْفاً إليه

رجع الطَّرْفُ عنه وهو حسيرُ

وبِيأْجوجَ ثم مأْجوجَ والسَّدِّ ..

وإنكار كل هذا غرورُ

وبهاروتَ ثم ماروتَ والسِّحرِ

الذي أُسْدلَتْ عليه الستورُ ..

قلتُ: مالي بكل ذلك علمٌ

فبجحْدي عقلي عليَّ يشيرُ

كنت حياً فمتُّ

والموتُ حقٌ

شاهدات بما هناك القبورُ

كنتُ فوق التُّراب بالأمس أمشي

وأنا اليوم تحته مقبورُ

إنما الموتُ، وهو لا بدَّ منه،

سنَّة ُ الله ما لها تغييرُ.

 

قال: دعْ عنك ذا وقلْ ليَ

مَنْ ربُّك؟

قبل أن يسوء المصيرُ

قلتُ: أمْهلْني في الجواب .. رويداً

إنني الآن خائفٌ

مذعورُ

لا تكنْ قاسياً عليَّ كثيراً

أنا شيخٌ مهدَّمٌ مأطورُ

كان ظنِّيَ أنَّ الأثير هو الرَّبُّ

كريماً يمدُّني ويجيرُ

لم تزلْ لي ذاتُ العقيدة

حتى حالَ،

 من هول القبر،

 فيَّ الشعورُ

إنَّك اليومَ أنتَ وحدَك ربِّي

بك أحيا في حفرتي

وأبورُ

إنك الجبَّارُ الذي سوف تبقى

تحت سلطانك العظيم،

القبورُ.

 

 

رحلة العذاب والإذلال

 

قال: ما أنتَ أيُّها الرجْس إلا

ملحدٌ قد ضلَّ السبيلَ

كفورُ

ما جزاء الذين كُفِّروا إلا عذابٌ برْحٌ وإلا سعيرُ!

ثم تلاَّنيَ للجبين وقالا ليَ:

ذقْ .. أنت الفيلسوف الكبيرُ.

قلتٌ: صفحاً ..

فكل فلسفتي قد كان مما يمليه عقلي الصغيرُ

ثم قولي مِن بعدها "أنت ربي"

هو مني حماقة وقصورُ

لم تكُ أقوالي الجريئة إلاَّ

نفثات يُرمي بها المصدورُ

قد أسأتُ التعبير

فالله ربي ماله في كل الوجود نظيرُ

فأجاباني قائلَين

بصوتً لا يُسِرُّ الأسماعَ منه الهديرُ:

قُضي الأمرُ .. فاستعدَّ لضَربٍ

منه تدمَى بعـد البطون الظهورُ

لا يفيدُ الإيمان من بعد كفرٍ

وكذا .. جدُّ الطائشين عَثورُ.

ثم بالسّوط أوسعانيَ ضرباً

كدتُ منه في أرض قبري أغورُ،

لم يكن فيهما يُثير حناناً

جسدٌ ليَ دامٍ

ودمعٌ غزيرُ

ولقد صحْت للمضاضة

أبغي لي مجيراً

وأين منِّي المجيرُ

ثم صبَّا بقسوة فوق رأسي

قطراناً، لسوء حظِّي، يفورُ

فشوى رأسيَ ثم وجهيَ

حتى بان مثل المجدور فيه بثورُ

ثم أحسسْت أن رأسي يغلي

مثلما تغلي بالوقود القدورُ

وقد اشتدَّتِ الحرارة في قبريَ

حتى كأنه تنُّوُر

وأطالا في عذابي إلى أنْ

غاب وعيي

وزال عني الشعورُ

ثم، لمَّا انْتبهْتُ،

ألفيتُ أني موثقٌ من يدي

وحبلي مريرْ ..

ثم طارا بي في الفضاء إلى الجنَّةِ

حتى يغرى بلومي الضميرُ

وأسرَّا في أذْن رضوانَ شيئاً

فأباح الجواز وهو عسيرُ

لمسَتْ إذ دخلتُها الوجهَ منِّي

نفحةٌ فاح عطرُها والعبيرُ

أخذتنْي منها المَشاهدُ حتى

خِلـْتُ أنِّيَ سكرانُ أو مسحورُ:

جنَّة .. عرضُها السماوات والأرض

بها من شتى النعيم الكثيرُ

فطعامٌ .. للآكلين لذيذٌ

وشرابٌ .. للشاربين طَهورُ

سمكٌ مَقْليٌ وطيرٌ شَويٌ

ولذيذٌ من الشِّواء الطيورُ

وبها بعدَ ذلكمْ ثمَراتٌ

وكؤوسٌ مليئة

وخمور

وبها دوحة ٌ يُقال لها الطُّوبى

لها ظلٌ .. حيث سِرتَ يسيرً

تتدلَّى غصونها فوق أرض

عرضُها من كل النواحي شهورُ

وجرتْ تحتها من العسل المشتار أنهارٌ ما عليها خفيرُ

ومن الخمرة العتيقة أُخرى

طعمُها الزنجبيلُ والكافورُ

ومن الألبان اللذيذة ما يشربه خلقٌ

وهو بعد غزيرُ

ثم للسلسبيل يطفحُ والتسنيمِ

ماءٌ يجري به التفجيرُ

وجميع الحصباء درٌ وياقوتٌ

وماسٌ شعاعُه مستطيرُ

كل ما يرغبون لهم حلالٌ

كل ما يشتهونه ميسورُ

وعلى أرضها ذرابيَ قد بثَّتْ حِساناً كأنهنَّ زهورُ

وعليها أسرَّةٌ وفراشٌ

مثلما يهوى المؤمنون

وثيرُ

وعلى تلكمُ الأسرة حورٌ

في حليٍّ لها ..

ونعمَ الحورُ

ليس يخشيْنَ في المجانة عاراً

وإن اهتزَّ  تحتهنَّ السريرُ

كلُّ مَن صلَّى قائماً وتزكَّى

فمِن الحور حظُّه موفورُ

ولقد يعطى المرء سبعينَ حوراءَ عليهنَّ سندسٌ وحريرُ

يتهادَيْنَ كالجُمان حِساناً

فوق صرحٍ  كأنه البلَّورُ

حبَّذا أجيادٌ تَلِعْنَ وأنظارٌ بها كلُّ مُبصرٍ مسحورُ

وخصورٌ بها ضمورٌ

وأعجازٌ ثقالٌ .. تعيا بهنَّ الخصورُ

وكأن الولدانِ، حين يطوفون على القوم،

لؤلؤٌ منثورُ

إئْتِ ما شِئْتَ ولا تخشَ بأساً

لا حرامٌ  فيها ولا محظورُ

إنَّ فيها من الحدائق غاباً

تتغنَّى من فوقهن الطيورُ

إنَّ فيها جميعُ ما تشتهيه النَّفسُ والعينُ واللّهى والحجورُ

فإذا ما اشتهيتَ طيراً

هوى مِن غصنه مشويَّاً .. وجاء يزورُ.

طينُها من فالوذجٍ

لا يملُّ المرء منه ..فهو اللذيذُ الغزيــرُ

وإذا رِمتَ أن يحالَ لك التينُ دجاجاً .. أتاك يطيرُ

أو إنَّك إذا أشئتَ أن تصير لك الحصباءُ دُرَّاً

فإنها لتصيرُ

إن فيها مشيئة المرء تأتي عجباً

عنه يعجز الإكسيرُ

ليس فيها موتٌ ولا موبقاتٌ

ليس فيها شمسٌ ولا زمهريرُ

لا شتاءٌ ولا خريفٌ وصيفٌ

أترى أن الأرض ليستْ تدور؟

جنةٌ فوق جنَّة فوق أخرى

درجاتٌ

في كلهن حبورُ

وحياضٌ قد أترعَتْ ورياضٌ

قد سقى الطلُّ زهرَها

وقصورُ

كلُّ هذا وكل ما فوق هذا

منه طرفُ الأقوام فيها قريرُ

ولقد حلُّوا فوق ذلك فيها

فضةٌ في أساورَ تستنيرُ

ولهم فيها نعمةٌ بعد أخرى

ولهم فيها لذةٌ وسرورُ

ولقد رُمْتُ شُربةًً من نميرٍ

فتيمَّْمته .. ففرَّ النَّميرُ

وكأن الماء الذي شئْتُ أنْ أشربَه

بابتعاده مأمورُ

وتذكَّرتُ أنني رجلٌ جيء به كي يُراعى منه الشعورُ

أيُّ حق في أنْ أنال شرابي

بعد أن صح أنني مثبور؟

قلتُ: عوداً من حيث جِئْتُماني

إنما هذه لهمِّي تُثيرُ

أنا راضٍ من البيوت بقبرٍ

يتساوى عشيُّه والبكورُ

أيها القبر .. إرحمْ طوالع شيبي

أنا في كربتي إليك فقيرُ.

 

 

 

عودة إلى الجحيم

 

أخرَجانيَ منها وشدَّا وثاقي

بنسوع كما  يُشد البعيرُ

ثم قاما فدلَّيانيْ ثلاثاً

في صميم الجحيم وهي تفورُ

وأخيراً في جوفها

قذفا بي مثلما يُقذَفُ المتاعُ الحقيرُ

لست أسطيعُ وصفَ ما أنا قد قاسيتُ منها فإنه لعسيرُ

ربي .. إصْرف عني العذابَ

فإني إن أكن خاطئاً فأنتَ الغفورُ

لكأنَّ الجحيمَ حفرةُ بركانٍ عظيمٍ لها فمٌ مغفورُ

تدلع النارُ منه حمراء تُلقي حِمَماً

راح كالشّواظ يطيرُ

ثم أني سمعتُ لها حثيثاً

فاقشعرَّتْ منه برأسي الشعورُ

خالطتْه استغاثةُ القومِ فيها كهديرٍ

إذا استمرَّ الهديرُ

إنها في أعماقها طبقاتٌ

بعضُها تحت بعضِها محفورُ

وأشدُ العذاب ما كان في الهاوية السفلى

حيث يطغى العسيرٌ

حيث لا ينصرُ الهضيمَ أخوه

حيث لا ينجدُ العشيـــرَ العشيرُ

الطعام الزقُّوم في كل يومٍ

والشراب اليحمومُ واليحمورُ

ولقد يُسقى الظامئون عصيرٌ

هو من حنظلٍ وساء العصيرُ

ولها من بعد الزفير شهيقٌ

ولها من بعد الشهيق زفيرُ

ولهم فيها كل يوم عذابٌ

ولهم فيها كل يوم ثبورُ

ثم فيها عقارب وأفاعٍ

ثم فيها ضراغم ونمورُ

يضرع المجرمون فيها عطاشى

والضراعات ما لها تأثيرُ

ولهم،

مِن غيظ تأجَّج فيهم،

نظراتٌ شرارُها مستطيرُ

وُقِدَتْ نارُها تئزُّ

فتغلي أنفسٌ فوق جمرها وتخورُ

ولقد كانت الوجوه من الضَّالِّين سوداً كأنهن القيرُ

ولقد كانت الملامحُ تُخفى

ولقد كانت العيون تغورُ

لستُ أنسى نيرانَها مائجاتٍ

تتلظَّى كأنهن بحوُر

ولقد صاح الخاطئون يريدون نصيراً لهم

وعزَّ النصيرُ

وتساوى أشرافُهم والأداني

وتساوى غنيُّهمْ والفقيرُ.

 

 

 

لقاء ليلى التي نالتْ عقابَها بسبب الحبّ

 

كنت أمشي فيها فصادفتُ ليلى

بين أترابٍ كالجمانِ تسيرُ

فوق جمرٍ يَشْوي ونارٍ تلظَّى

وأفاعٍ في نابهن شُرورُ

وعيونُ الحسناء مغرورقاتٌ

بدموع فيها الأسى منظورُ ..

قلت: ماذا يُبكي الجميلة

قالتْ:

أنا لا يُبكيني اللَّظى والسَّعيرُ

إنما يُبكيني فراقُ حبيبي

وفراقُ الحبيب خطبٌ كبيرُ

هو عنيَّ ناءٍ كما أنا عنه

فكلانا عمَّنْ أحبَّ شطيرٌ ..

فرَّقوا بيننا ..

فما أنا أرى اليوم سميراً ولا يراني سمير

قذفوه في هوَّة ليس منها

مَخرَجٌ للمقذوف فيه قعورُ

آهٍ إنَّ الفراقَ أصعب مِن

كل عذاب يُشقى به الموزورُ

ولو أننا كنا جميعاً

لخفَّ الخطبُ في قُربه وَهانَ العسيرُ

لا أبالي ناراً وعندي حبيبي

كلُّ خَطْب دون الفراق يسيرُ

قلتُ: ماذا جنيتِ في الأرض

حتى كان حتماً عليكِ هذا المصيرُ

فأجابت:

قد كان لي وسميراً قبل أن نردى للجحيم نُكورُ

جهلُنا للجحيم أوجبَ أنَّا

بعد أن نردى للجحيم نزورُ.

 

 

 

لقاء الشعراء والعباقرة

 

ولقد أبصرتُ الفرزدق نضْواً

يتلوَّى ووجهُه معصورُ

وإلى جنبه يقاسي اللَّظى

الأخطلُ مستعْبراً

ويشكو جريرُ

قلت: ما شأنكم؟

فقالوا: دَهانا من وراء الهجاء ضرٌ كثيرُ

ولقد كان آخرون حواليهم جثوماً

وكلهم موتورُ

مِنهمُ العالِمُ الكبيرُ

وربُّ الفنِّ

والفيلسوفُ والنِّحريرُ

لم أشاهد، بعد التلفُّت فيها،

جاهلاً ليس عنده تفكيرُ

إنما مثوى الجاهلين جنانٌ شاهقاتُ القصورِ

فيها الحورُ

غيرَ قسمٍ هو الأقلُّ سِعىً

يُصلح حتى اهتدى به الجمهورُ.

ثم حيَّاني أحمدُ المتنبي

والمعرِّي الشيخُ وهو ضريرُ

وكلا الشاعرين بحرٌ خِضمٌ

وكلا الشاعرين

فحلٌ كبيرُ

ولقد كان يخنُقُ الغيظُ بشاراً

وفي وجهه الدَّميم بثورُ

ويليهمْ أبو نوَّاس كئيباً

وهو ذاك المِمْراحة السكِّيرُ

مثله الخيَّامُ العظيمُ ودانتي

وإمام القريض وشيكسبيرُ

ولقد كان لامرىء القيس بين القوم صدرٌ

وللملوك صدورُ

قلتُ: ماذا بكم ؟

فقالوا: لَقَينا مِن جزاء ما لا يُطيق ثبيرُ

إننا كنا نستخف بأمر الدِّين في شعرنا

فساءَ المصيرُ

 

 

عمر الخيام ولذَّة الخمر

 

وسمعتُ الخيَّام في وسَط الجمْع يغنِّي فيطربُ الجمهورُ

مُنشِداً بينهم بصوتٍ شجيٍّ

قطعة مِن شعر غِذاهُ الشعورُ:

" حبذا خمْرةٌ تُعينُ على النيران حتى إذا ذكتْ لا تضيرُ

وتسلِّي من اللهيب فلا يبقى، متى شبَّ،

منه إلا النورُ

تشبه الخندريس ياقوتةً ذابتْ ففيها للناظرين سرور

وهي مثل النار التي تتلظَّى

ولها مثلما لهذي زفيرُ

ثم إني بالخندريس لَصبٌ

ومن النار والجحيم نَفورُ

اسقني خمرة ..

لعلِّي بها أرجِعُ شيئاً ممَّا سبتني السَّعيرُ

واصِليني بالله أيتها الخمرة

إني امْرؤٌ إليكِ فقيرُ

أنتِ لو كنتِ في الجحيم بجنبي

لم تُرعْني نارٌ ولا زمهريرُ "

 

 

 

سقراط يلقي خطبةً

 

ثم إني سمعتُ سقراط يُلقي

خطبةً في الجحيم

وهي تفورُ

وإلى جنبه على النار أفلاطون

يصغي كأنَّه مسرورُ

وأرِسْطاليسُ الكبيرُ وقد أغرَقَ منه المشاعرَ التفكيرُ

ثم كوبيرنيك الذي كان قد أفهمَنا أن الأرض جرْمٌ يدورُ

تتْبَع الشمسَ أين هي سارت

وعليها مثل الفراش تطورُ

ثم داروين .. وهو مَن قال إنَّا

نسلُ قِرْدٍ قد طَوَّرتْه الدهورُ

ثم هيغل وبخنز وجيسندي

ويليهمُ سبينسرُ المشهورُ

ثم توماس ثم فاخت ومنهم

إسبينوزا وهيلبك وجيورُ

ونيوتن الحبر ثم رينان

ثم روسو ومثله فولتيرُ

وزرادشت ثم ميزديك يأتي

وجموعٌ أمامهم أبي قورُ

والحكيم الكِنْدي ثم ابن سينا

وابن رشدٍ وهو الحفيُّ الجَسورُ

ثم هذا أبو دلامة منهم

بعده الراوندي ثم نصيرُ

وجماعاتٌ غيرهم

كلُّهمْ جلِدٌ على نارها وكلٌ صَبورُ

كان سقراطُ أثْبتَ القومِ جأشاً

فهو ذو عزمٍ فائقٍ لا يخورُ

قال، مِن بعد شرحه منشأ النار،

وفي قوله إليها يشيرُ:

" سوف يقضي فيها التطوُّرُ أنْ نقوى عليها

وأن تهون الأمورُ

إن في ذا الوادي السحيق عيوناً ثَرَّةً للبترول، فيها يغورُ

ولقد تنضبُ العيونُ

فلا نارٌ ولا ساعرٌ ولا مسعورُ "

ثم، لما أتمَّ خِطْبتَه

عجُّوا له هاتفين وهو جديرُ

 

 

 

منصور الحلاّج معاتباً

 

ورأيتُ الحلاجَ

يرفع منه الطَّرف نحو السماء وهو حسيرُ

قائلاً: " أنت الله

وحدك قيُّوماً وأمَّا الأكوانُ فهي تبورُ

إنَّك الواحد الذي أنا منه

في حياتي شرارةٌ تستطيرُ

وبه لي بعد الظُّهور خفاءٌ

وله بي بعد الخفاء ظهورُ،

لمْ شِئْتَ العذابَ لي

ولماذا لم تُجَرِّبْني؟

وأنتَ منه المُجيرُ! ".

"كان في الدنيا القتلُ منهمْ نصيبي

ونصيبي اليومَ العذابُ العسير !!".

 

قلتُ:

" إن المكتوبَ لا بدَّ منه قدَراً

وإن أخطأ المقدورُ ".

 

 

اختراعات أهل الجحيم تحرِّض على الثورة

 

مكثوا حتَّى جاء منهمْ حكيمٌ

باختراع ..

لم تنتظرْه الدُّهورُ

آلةٌ تُطْفِيءُ السَّعيرَ إذا شاء

فلا تحرقُ  الجسومَ السَّعيرُ !

وأتى آخرُ بخارقة

يهلك في مرَّةٍ بها الجمهورُ

واهتدى غيره إلى ما به الإنسان يَخْفى

فلا يراه البصيرُ

ولقد قام في الأخير فتى يخطبُ فيهمْ

والصَّوت منه جَهورُ

وأحاطتْ به الملايين .. يصغون إليه وكلُّهم موتورُ

قال: " ياقومَنا .. جهنَّمُ غصَّتْ

بالألى يُظلمون منكم .. فثوروا "

قال: " ياقومنا

أرى الأمر من سوء إلى الأسوأ الأمضِّ يسيرُ "

قال: " ياقومنا

احتملْتمْ مِن الحَيْف ثِقالاً يعي بهنَّ البعيرُ "

قال: " ياقوم

إن هذا الذي أنتمْ تُقاسونه

لَشيءٌ كثيرُ "

قال: " ياقوم إننا قد ظُلمنا شرَّ ظُلْمٍ

فما لنا لا نثور ؟ ..

ومِن النَّاس مَن قضى الله أنْ يكفُرَ

والموتُ منه دانٍ يزورُ

فهل الحقُّ أن يخلَّد في النار،

على الكُفر ساعةًًً،

مجبورُ "

قال: " ياقوم لا تخافوا ..

فما فوق شرورٍ تُكابدون شرورُ

اجْسروا أيها الرفاقُ فما نال بعيدَ الآمال إلا الجَسورُ

إنما فاز في الجهاد من النَّاس، بآماله الكبارِ

الكبيرُ

أنتمُ اليومَ في جهنَّمَ أسْرى

وليكن منكمْ لكمْ تحريرُ

قاوِموا القوة التي غشّمتْ بالمثل

والدَّهرُ للقويِّ ظهيرُ

أنتمُ اليومَ الأكثرونَ

وأمَّا عدد الحارسين فهو صغيرُ

أيُّ شيءٍ نخافُ منهمْ ؟

وإنَّا لو تحدَّيناهمُ لَجمٌ غفيرُ

أيها الناس دافعوا عن حقوق غصبوها

والكاثرُ المنصورُ

أَلأهلِ الجحيم بؤسٌ وتَعسٌ

ولمن حلَّ في الجنان سرور؟!

أَلَنا أسفلُ الجحيم مقامٌ

ولهمْ في أعلى الجنان قصور؟!

كلُّ ما قد أصابكمْ من عذابٍ

فله ممن في السماء صدورُ

إن أهل القضاء ما أنصفوكـمْ

فكأن القلوب منهمْ صخورُ

قد خدمْنا العلومَ شتَّى بدنيانا

فهل مِن حسن الجزاء السَّعيرُ

كان في تِلكُمُ اضطهادٌ وقتلٌ

ثم في هذا العذابُ الدَّهيرُ ".

 

فَعلا من أهْلِ الجحيم ضجيجٌ

رجف الوادي منه والسَّاعورُ

ولقد هاجوا في الجحيم وماجوا

كخضَّمٍ مرَّتْ عليه الدهورُ

أطفأوا جمرةَ الجحيم

فكانتْ فِتنةٌ ما جرى بها التقديرُ

ثورةٌ في الجحيم ..

أرْجفتِ العرشَ وكادت منها السماء تَمورُ

لبسوا عِدَّةَ الكفاح

وساروا في نظامٍ أتمَّه التدبيرُ

زحفوا ثائرين من كل صوبٍ

في صفوفٍ كأنهنَّ سطورُ

للأناشيد يُنْشِدون بصوتٍ

في النفوس الحرى لها تأثيرُ

 

 

المَعرِّي يقود مسيرة الثائرين

 

المعرِّي:

غصبوا حقَّكمْ فيا قَوم ثوروا

إن غصبَ الحقوق ظلمٌ كبيرُ

 

الثائرون:

غصبوا حقنا ولم يُنصِفونا

إنما نحن للحقوق نثورُ

 

المعرِّي:

لكم الأكواخ المشيَّدة بالنار وللبلْه في الجنان القصورُ

 

الثائرون:

غصبوا حقنا ولم يُنصِفونا

إنما نحن للحقوق نثورُ

 

المعرِّي:

إن خضعْتمْ فما لكمْ من نصيبٍ

في طوال الدُّهور إلا السَّعيرُ

 

الثائرون:

غصبوا حقنا ولم يُنصِفونا

إنما نحن للحقوق نثورُ

 

المعرِّي:

ما حياة الإنسان إلا جهادٌ

إنما تُؤْثِرُ السكونَ القبورُ

 

الثائرون:

غصبوا حقنا ولم يُنصِفونا

إنما نحن للحقوق نثورُ

 

المعرِّي:

إنما النارُ

للَّذين لديهمْ قد تسامى الإحساسُ ؟!

بئسَ المصيرُ !!

 

الثائرون:

غصبوا حقنا ولم يُنصِفونا

إنما نحن للحقوق نثورُ

 

 

 

معركة مع الزبانية

 

 

ولقد أسرعتْ زبانيةُ النَّار إليهِمْ

وكلُّهمْ مذعورُ

يالها في الجحيم حرباً ضروساً

ما لها في كل الحروب نظيرُ

ولقد عاضدَ الذكورَ إناثٌ

ولقد عاضدَ الإناثَ ذكورُ

ولقد كانوا يفتِكون

ولا يُبْصَرُ منهمْ مهاجمٌ أو مغيرُ

ولقد كانتِ البُطونُ تَفرَّى

ولقد كانتِ الرؤوس تطيرُ

 

ثم جاءتْهُمُ الشياطينُ أنصاراً

وما جيش الماردين حقيرُ

كان إبليسُ قائداً للشياطينِ ..

وإبليسُ، حيثُ كان، قديرُ

ولقد جاء من ملائكة العرش، لإرجاع الأمن، جمٌ غفيرُ

والذي قاد الملائك منهمْ هو عزْرائيلُ الذي لا يخورُ

فهي بين الملائك البيض صفَّاً

والشياطين السُّود صفَّاً تثورُ

وتَلاقى فوق الجحيم الفريقان

وهذا نارٌ وهذا نورُ

فصِدامٌ كما تَصادُمِ شاهقاتِ الجبال

ومثلُهنَّ بحورُ

وصراخُ الجَرحى إلى العرش يعلو

وجروحُ المُجَندلين تفورُ

يترامون بالصَّواعق صفَّين فيشْتَدُّ القتلُ والتَّدميرُ

حاربوا بالرياح هوجاءَ

بالإعصارِ .. في ناره تذوبُ الصخورُ

حاربوا بالبروق تومضُ

والرَّعد فيغلي في صوته التامورُ

حاربوا بالبحار تُلقى على الجيش بحولٍ وماؤها مسعورُ

حاربوا بالجبال تقذُفُ بالأيدي تباعاً كأنهنَّ قشورُ

بالبراكين ثائراتٍ جرتْ من حممٍ

فيها أبحرٌ ونهورُ

وقد اهتزَّ عرش ربُّك من بعد سكونٍ

والدائراتُ تدورُ

 

ولقد كادت السماء تهْوي

ولقد كادت النُّجوم تغورُ

كانتِ الحربُ في البداءِ سجالاً

ما لِصبح النصر المبين سفورُ

ثم للناظرين

بانَ جلياً أن جيش الملائـك المدْحورُ

هزموهم إلى معاقلهم في الليل

حتى بدا الصُّبْحُ المنيرُ

ولأهل الجحيم تمَّ، بإنجاد الشياطين في القتال،

الظُّهورُ

فاستراحوا من العذاب الذي كانوا

يقاسونه وجاء السُّرور

لم يخوضوا غِمارها

قبل أن تحكمَ فيها الآراءُ والتدبيرُ

 

اجتياح الجنَّة

 

ثم طاروا على ظهور الشياطين

خِفافاً كما تطيرُ النسورُ

يطلبون الجنانَ

حتى إذا ما بلغوها .. جرى نضالٌ قصيرُ

ثم فازوا بها وقاموا بما

يوجبه النصر والنَّهي والتدبيرُ

طردوا مَن بها مِن البُلْه

واحتلُّوا القصور العليا .. ونعمَ القصورُ

غيرَ مَن كانوا مُصلحينَ

فهذا القسم منهمْ بالإحترام جديرُ

فرَّ رضْوانُ للنجاة

ومِن أتباع رضوانَ مسرعاً جمهورُ

وأقاموا لفتحهمْ حفلةً

أعقبها منهمُ الهُتاف الكثيرُ

إنه أكبرُ انقلابٍ به جادت

على كرِّها الطويل

الدهور

 

* * * * * * *

 

وتنبَّهْتُ مِن مناميَ صُبْحاً

فإذا الشمس في السماء تنيرُ

وإذا الأمر ليس في الحق إلا

حلُمٌ

قد أثاره الجرجيرُ

 

 

 

 

أعدهـا الدكتور مفيد مسوح – 2004 –

 



|إخفاء التعليقات| |أضف تعليقك| |طباعة الصفحة|