الجزء الثاني

 

...........

 

تـُرفع الستارة بعد مقدمة موسيقية عسكرية الطابع ترافقها نفحة حزن، تتحرك على إيقاعات مارشاتها سرايا قوات مملكة بترا مغادرة المدينة باتجاه جبهات القتال بينما ينهمك في القصر ملك البلاد مالك الثاني وحاشيته بالاستعداد للذهاب على رأس قواته مودعاً زوجته الملكة (شَكـِيـْلا) والوزير (ريبال) وموظفي القصر الذين تجمعوا للإعراب عن تمنياتهم لملكهم بالنصر على المعتدين وعن ولائهم ووفائهم له وللوطن الغالي.

وتنقل لنا صورة النفير وتحركات المقاتلين بأسلحتهم وخيولهم تقنية الإضاءة والصوت والديكور واللوحات الخلفية التي اشترك بتصميمها وإخراجها بالقوالب السينمائية العالية التأثير كل من عبد الحليم كركلا وغازي قهوجي تحت إدارة المخرج السينمائي مروان الرحباني.

يهتف المتجمعون وهم يودعون الموكب (عاش الملك) ويرددون هتافهم الصادق ثم يعلن الوزير ريبال بيان الحكومة الحربي يُعرِّفنا من خلاله بمملكة البتراء المتميزة بالعدل والمساواة بين الناس وبالحرية والرخاء والازدهار:

الوزير:                    يــا بـتـْرا    كـِنـْـتـي وْبــِـتـْضـَلـِّـي

                           سـَيـْف الـكـَرامـِة    تـاريـْــخ الأبـْـطـال

                           لا عـَبيــْـد عـِـنـْـدِك         لا طـَبَقات فيكي

                           وْصَـرْخات الحـَـقّ    بـْـتِـحـْـمـيـْــكـي

كورس النســاء:          بـــتـــْـــــــــــرا

كورس الرجال:            بـــتـــْـــــــــــرا

الجمـيــع:               رَنـيـْــــن الـخـَـطــَــر والأمــــان

كورس النســاء:          بـــتـــْـــــــــــرا

كورس الرجال:            بـــتـــْـــــــــــرا

الجمـيــع:              زَمـــانـِـكْ عـَطــايــا الـزَّمــــــان

 ...........

كان الرومان يتحسَّرون على حضارتهم التي أضاعها الصـَّلف والتآمر وعلى النموذج الأول في تاريخ البشرية لحكم البلاد الجمهورية بطريقة ديموقراطية، وما انفك الشعراء والفنانون يعربون عن أسفهم لما وصلت إليه حال إمبراطوريتهم في عهود ما بعد مؤامرة اغتيال يوليوس قيصر في سنة 44 ق. م.، والتي كان نيرون قد توَّج انحطاطها بالحروب الداخلية وبإشعال الفتن وباستخدام اليهود أحياناً وبالتقريع بهم والتنكيل بالمسيحيين الأوائل حيناً آخر. وقد وصل به العداء للمسيحيين في أواسط القرن الأول للميلاد أن أمر مراراً بتقديم أجسادهم وهم أحياء إلى الحيوانات الكاسرة والتلذذ بمشاهدتها تلتهم لحومهم.

حـَلـِم نيرون ببناء (قصر الذهب) الذي لم يستطع أيٌّ من أباطرة روما بناءه. كانت خزينة روما تعاني عجزاً تطلـَّبت تغطيته حملات النـَّهب في مناطق ودول المشرق وكانت البتراء واحدة من المناطق الغنية التي طارت إليها عينا نيرون الطاغية والذي كان قد علم من أستاذه المغرور والمتعصِّب (سينيكا) أنها ثرية بالتحف والتماثيل الهلنستية من عهد ألكسندر الكبير وأن روما أحق بذهب البتراء والممالك المجاورة. جدير بالذكر أن الأدب والعلوم وفنون التعبير ومنها النحت الذي ملأت بلدان العالم بها حضارتا أثينا وروما قبل عهد نيرون قد انحدرت بشدَّة وقلـَّت أعداد الأدباء والمهندسين والنحاتين وشحـَّت الإبداعات المعتادة.

ولم يكن حريق روما قد شبَّ بعد ولكن أفكار نيرون وخطته لإعادة بناء المدينة انطلاقاً من قصر الذهب أعطت للمتآمرين من اليهود في روما وخارجها على أبناء الطائفة المسيحية فرصة للمناورة وإثارة حقد نيرون الشديد عليهم فقاموا بإحراق المدينة واتهام المسيحيين بفعلها.. هناك أكثر من افتراض فيما يخص هذا الحريق الهائل في العام 64 م. والذي بدأ في مسرح السيرك الخشبي واستمر أكثر من أسبوع قبل أن يتمكن الناس من إيقافه وحماية ربع أحياء المدينة فقط، وأكثر هذه الفرضيات شيوعاً في إيطاليا يشير بأصابع الاتهام إلى اليهود المتغلغلين في بلاط قصر نيرون الفاجر، الذي قيل بأنه حمل قيثارته فرحاً وراح يغني من فوق إحدى تلال روما أشعاراً لهوميروس تصف حريق طروادة.

ولتغطية ضعفه وعجزه وحالة العزلة الداخلية وبطشه بمعارضيه وسحقهم فقد لجأ نيرون وأعوانه إلى تجنيد الناس من جميع المناطق الخاضعة بالقوة وإلى شراء المرتزقة والعبيد والخيول لتكوين جيوش تباهى بأنها خارقة القوة وانها (نـَهـْر العـَسْكـَر نبْع الخيل).

 

...........

 

في هذه الأثناء تكون الفرصة قد حانت تماماً للمـُترَبـِّصَين لايوس وباتريكوس اللذين وضعا خطة لاختطاف ابنة الملك بعد فشلهما بتسميم مياه الشرب. يضع أحدهما يده على فم البنت البريئة منعاً للصراخ ويحملانها بسرعة بعيداً في غفلة قصيرة من الوصيفة وعياش وصالح الذين عادوا وصراخهم يتصاعد (بـتـْـرا بـتـْـرا بـتـْـرا ... وينا؟ يمكن عم تـْفـَتـِّشْ عْلـَيْنـا!! ويْن راحِت.. بـتـْـرا.. بـتـْـرا) وتصرخ هـلا جزِعة (دَخيلـْـكـُن فـَـتـّشـُـو) وتتصاعد الأصوات وتتداخل وتندمج بالصدى العائد بعد ارتطامه بالجدران وكأنه وصل إلى أطراف المدينة واشترك به الناس جميعاً وصار القلق صوتاً والحنين صوتاً والخوف صدى ورافقت الموسيقا التصويرية عملية الاختطاف ثم حركة الناس جيئة وذهابا، صعوداً ونزولا.. وجمدت الدماء في العروق مع تأجل انهيار الدمع من المآقي.. ولا ردَّ مِمـَّن ينادون!! فحصانا الخاطفين سريعان وطريقهما مكشوفة وسالكة ..

خمدت الأصوات وساد الحزن والصمت حتى لكأن دقات القلوب خمدت وجمد الدَّمع في المآقي الجاحظة في اللاشيء وانبطحت الأجساد على أرض الساحة وعلى الدرَجات الحجرية إذ خارت القوى.. وتحضر الملكة بكامل وقارها وقد فهمت ماحدث من خلال الجلبة وخوف الناس واضطرابهم وأدركت بسرعة حقيقة الأمر إذ وقعت عيناها المتنقلة بين العيون المتسمـِّرة باتجاهها، على عيني هلا التي تذكرت قول الملكة (أولاد الملوك بْيـِتـْنـَزَّهُو عَ حْدود الخـَطـَر) ورأت الملكة بكلِّ صلابتها وجسارة قلبها فتذكـَّرَت أيضاً أن الملوك كالبحيرة تتجمع فيها (أحزان الكـِلّ وهـْموم الكـِلّ) بمن فيم أولادهم.

تقطر وجوه الجميع خجلاً وانكساراً إذ شعروا بأنهم أضاعوا بترا وبأن القلق أصبح ضيفهم الدَّائم وتوعز الملكة الحزينة بالصـَّمت فينسحبون مُطأطئي الرؤوس واحداً تِلـْوَ الآخر تاركين الملكة وحيدة بين مشاعر الحزن على ابنتها وموقف الصمود الذي تتطلبه حالة البلاد.

الملكة:        راحــِـتْ بــِــتــْــرا          بــِنـْـتــي بــِــتــْــرا

أخـَدِتـْـهـا رومــــــا

زغـيـْــرِة وْمـا بـْـتـَعـْـرِف    بــِـلـِعـْــب الـِكـْـبـــار

.......... 

ا الملكة:      الملكة:    هالإنـْتِصار اللـِّي جايي مـْتـَوَّج بـِدَمّ أهالي بترا، ما إلو حقّ لا المَلِك وَلا المَلـَكِة يْضـَحـُّو فيه من أجل خـَلاص بـِنـْتـُن

ا باتريكوس:  باتريكوس:   إذا المـَلـِك مـا أمـَر الجـَيْش بالتـَّراجـُع بـِتـْمُوت البـِنـْت

ا الملكة:      الملكة:      وْبـِتـْمُوت إنـْت

لم يكن باتريكوس يتوقـَّع صلابة إلى هذا الحَدّ من امرأة بل كان يتصوَّرُها ستقع فوراً في حفرة المساومة بسبب الجرح الكبير الذي سيسببه فقدانها ابنتها. وقد اشتدَّ غيظ الضابط الروماني من تهديد سيدة مملكة لا تتعدَّى بنظره (صخوراً وبضع تلال) فيصرخ مُتـَحـَدِّيـاً (أنا جايي مُوْت، أنا عَسْكـَري والعـَسْكـَري ما إلـُو حَقّ يـِخـْتـار طـَريْقِة مَوْتـُو) وتردُّ بازدراء (مـَوْتـَك ما رَح يْغـَيـِّرْ شي) مؤكدة له رفض تهديده (ولا مَوْت البـِنـْت).

 

...........

 

وتعزِّي ملكتنا نفسها بالغناء لبترا الكبيرة.. بترا التي انتصرت على الغزاة وأزالت العبودية عن كاهل الشعب.. بترا الحياة والفرح والبناء وسعادة الأحرار

المجموعة:        بـيـْقــُـولـُو زْغـَـيـَّـر بـَلـَدي   وْبالغـَـضـَب مْسـَوَّر بـَلـَدي

   الـكـَـرامـِة غـَـضـَب      والـمَحـَبـِّـة غــَضـَب       والـغـَضـَب الأحـْلى بـَلـَدي

الملكة:   وْبـيـْـقـُولـُو قــْـلال    وِنـْـكـُون قــْـلال      بـَـلـَدْنـا خـَيـْـر وْجـَـمـال

         وْبـيـْـقـُولـُو يـْقـُولـُو   شـُـو هـَمّ يـْـقـُولـُو    شـْـوَيـِّـة صـَخـِر وِتـْــلال

المجموعة   يـــا صـَـخــرِة الـفــَجـْـر       وْقــَـصـْر الـنـِّـدِي

الملكة:        يـــــــــا بـَـلــَــدي

المجموعة:    يـــا طـِـفـْـل مـْـتـَـوَّج       عَ الـمـَعـْرَكــِة غـِـدي

الملكة:        يـــــــــا بـَـلــَــدي

المجموعة:    يـا زْغـِيـْر وْبـالـحـَـقِّ     كـْبـيـْر وْمــا بـْيـِعـْتـِـدي

الملكة:        يــــــــا بـَـلــَــدي

 

تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة