|
|
............ مسرحية "صحّ النـّوم" تتحدّث بقالب، كوميدي خفيف، عن البيروقراطية في تعامل أجهزة الحكومة مع متطلبات الناس وآليات تسهيل معاملاتهم الورقية الضرورية للسير بمشاريعهم وحاجياتهم نحو الإنجاز. فيها مزجٌ لطيفٌ ومحبـَّبٌ لخيال الحكايات بالواقع المليء بمتاعب الناس ومعاناتهم دون أن يـُدخلـَنا الحوار بمتاهات البحث الجدِّي في الأسباب والحلول.. نحن ببساطة في مكان ليس له حدود أومواصفـات ماعدا الحياة الطبيعية لأناس يعملون ويتعايشون وقد تأقلموا مع حاكمهم الوالي الفرد الـهنـِيِّ الطبـِّاع والخاصِّ المزاج ومع طريقة عمله التي لا تحقق رضاهم ولكنـَّهم لا يعلنون التمرُّدَ أو المقاومة.. ونحن هنا في زمان تشبه صوره الكثير مما يحيط بنا دون أن يقيد المؤلفان نفسيهما وساحة تقبـُّلنا بحقبة معينة.. محور المسرحية مقارنة بين عجز البيروقراطية والرجعية عن تلبية حاجات الناس وحياتهم الطبيعية وقتلهما للوقت والجهد، من جهة، ومرونة الحرية في تسيير الأمور وتنشيط الحركة وتحقيق سعادة ورخاء المواطنين، من جهة أخرى. ............ بعد أن يقدَّم موظـَّف التشريفات خاتم الولاية (خـَتـِـمْ !) يعرِّفنا الوالي به على سبيل التقليد الذي تعوَّد على فعله كلما طلع القمر والتقى بمواطني ولايته: الوالي: هايـْدا الخـَتـِم، خـَتـْم الدَّولـِة، هـُوِّي الدَّولـِة، خـَتـْم الولايـِة المـَوروث.. عـِمـْلـُو جَـدِّي الأوَّل أشـْلـوح مـِن خـَشـَب جـَوْزِة عَتيـْقـَة، قـَصـُّوها وْعـَمـَّـرو مَـطـْرَحـْها القـَصْر.. وْبـِقي الخـَتـِم رَمـْز الجـَوزِة اللي تـْعـَمـَّر عـَلـَيْها القصر، وْنـِزِل مِن إيـْــد لـَ إيـْــد.. لـَ إيـْــد لـَ إيـْــد لـَ إيـْـــــد حـَتـَّى وِصـِل لـَ إيْدي. مـِنـْشان هـَيـْك ما بـْخـَتـِّم كـْتير فيه أحسن ما يـْدوبو حـْروفو وْتـِتـْـعـَطـَّل مـْعامـَلات الإيـَّام الجـايي وْيـِحـْتـَجـُّو الاوْلاد اللـِّي بـّدْهـُن يـِكـْبـَرُو وِيـْـصـِير عـِنـْدُن عـَرايــِض وْبَدْهـُن يـِخِتـْمـُوها. يبتهل المواطنون متضرِّعين لـِ (ختم الولاية العتيقة) أن (لا تـِبـْخـَل بـِكـَرَمـَك عـْلـَيـْنا) وفيما يتفحـَّص الوالي أصحاب الأيادي الممدودة كي يختار ما يروق له تقترب منه فجأة قرنفل تحمل شمسيتها وتتوجه إلى الوالي بكلامها ملحناً وسريعاً: قرنفل: يـا مـَــــوْلانـــا الـْـــوالـي هـَبـَّط سـَـطـْحي بالشـِّتـي وْإلـِـــي سـِـتِّ اشـْــهـُــــر تـَحِـت هـالـشـَّــمـْـسـيـِّــة وْبـَـدِّي عـَـمـِّـر سـَطِحـْنـا قــَبـْــل الـشـَّــــتـْـوِيــِّــــة اخـْـتـِـمـْـلـِي مـْعامـِلـْـتــي يــا مـَـوْلانــا خـْـطـَيــِّــي الوالي: بـَـعـِّـدْهــا يازَيـْــــدُون صـَـوْتـا عــالـي
............ أخيراً يـُعرب الوالي أنَّ النـُّعاس أتاه فيعرض عليه زيدون الذهاب إلى قصر النوم ولكنه يرفض طالباً إبقاءه في الساحة كي ينام (الهوا عم يـْنـَسـِّم وْشغل كـْتير وْأنا والي شعبي.. بدِّي آخـِدْلي شي غـَطـَّة بـِمـَرْكـَز الوظيفة). وقبل أن يغرق الوالي بسباته يتمنى للجميع شهراً خيـِّراً فيـُرَنـِّموا له التمنيات بنوم هاديء ولأنفسهم برضى الخـَتم عليهم في الشهر القادم.. أما زيدون فيطلب من الحرَّاس إحاطة الساحة ومداخلها والحفاظ على الهدوء (أوْعى حدا يزِعـْجـُو). يخرج الجميع إلا قرنفل التي اختبأت خلف كرسي الوالي الكبير فلم يرها أحد. تـُـطـْفأ الأنوار وتخرج الفتاة من مخبئها مقتربة من يد الوالي الموضوعة على صدره تغطي السلسال الذي عـُلـِّق به مفتاح صندوق الخاتم. بصوت هاديء ونغمة تصوِّر حذر الذي يقوم سرَّاً بعمل غير مشروع تخبِرنا قرنفل عما تفعله في هذه العتمة الخطيرة: قرنفل: يا مـَــولانــــا الـوالــي خـَـتـِـم واحـِــدْ بـَعـْـــد مـالي حـَـدا غـَـــيـْـرَكْ وْبـُـكـْرا جايـي الـْبـَرد يــا سـَـيـِّـد الوِلايــــــة فـَـلـَّـيـْت وْتـَرَكـِتـْنــــا بـْهالسـَّاحـَة الحـزيـْنـِة مـِتـِـل بـَطـَل حـَزيـــن
............ الوالي، الذي أسعدته فرحة الأهالي وسـُرَّ بأغنية مستشاره زيدون وبالرقصة الحيوية التي تمايلت الخصور على ألحانها وبابتسامات الوجوه السعيدة، تركـَّز انتباهه على باحة الرقص أمامه إلى أن انتهت الفقرة وحلَّ الصمت انتظاراً لتعليق الوالي الذي يتنقل فجأة بناظريه بين زوايا الساحة ويمتد بهما بعيداً ليجد كلَّ شيء وقد تغيـَّر وتلألأ فيصرخ مع شهيقه الطويل مشدوهاً (ولـَكْ هايـْدي السـَّـاحـَة وَلاّ لأ؟) الناس: هايـْدي السـَّـاحـَة الوالي: ولـَكْ أنـا نــايـِم وَلاّ الدِّنـْـي تـْغـــَيــَّرِت؟ الناس: تـْغـَيــَّــرِت وِتـْعـَمـَّـرِت إنـْــتَ وْنــايـِـم الوالي بهدوء: وْميـن اللـِّي عـِـطي الأوامـِر؟ الناس: سعـــادِتــْــكـُـم الوالي: سعـــادِتــْـــنـا؟ أيْ مـْـتــــى؟ زيدون: الشـَّـهـْر المـاضـي يـامولانــا لـَمـَّا سـَعادِتـْـكـُم رَوْبـَـصـْـتـُو وْصـِرْتـُـو تـِـمـْشـُو بالنـَّـوْم.. وْخـَـتـَّـمـْـتـُـو كـِلِّ الطـَّـلــَبات الوالي: مـِشْ مـَـعـْـقـُـول!! زيدون: وْهالشـَّـهـْر مـافي إلا طـَـلـَبـَيـْن: طـَـلـَب شـاكِر الكـِنـْدَرْجي وْطـَـلـَـب تــَصـْـلـيح واجـْـهـِتـْكـُـم الوالي: مـِشْ مـَـعـْـقــُول!! قرنفل التي صرخت أكثر من مرة (يـاعـَـمـِّـي لا تـْـوَعــُّوه) والتي تمنـَّت على القمر ألا يطلع وأن يغيب عن البلد (غـِـبـْـلـَك ســِـنـِة يــا قـَمـَر) كانت تعلم بأن لحظة الحـَرَج آتية لامحالة. فالوالي الذي استيقظ مع البدر وجاء إلى الأهالي في ساحتهم وسـَرَّه فرحـُهم سيتفقد الخاتم لامحالة، خاصة وأن له في هذا الشهر (معاملة) طلب تصحيح واجهة الزجاج التي كسـَّرتها الريح. ودفعاً للقلق تتسلل قرنفل الصامتة من الساحة وقد شحُب وجهها من شدَّة الخوف .. يوميء الوالي إلى حامل صندوق الخاتم فيأتيه به ثم يسحب من تحت ياقة ردائه السلسال الحامل لمفتاح الصندوق ويفتحه كالعادة فيما ينتظر الناس، وخاصة شاكر، ظهور الخاتم العـزيـز. وإذ يـرى الـوالي الصـنـدوق فـارغـاً يغـلـقـه بسـرعـة وكـأنـه لا يـريـد أن يصدِّق عينيه.. يتـلفـت حائـراً ويـعـيـد بـبطء فـتـحَ الصـندوق الـذي لا يراه غـيره ويـتـلـعـثـم ثم يصرخ (الخـَتـِم).. (انـْسـَرَق الخـَتـِم!) ..
............ ويتابع الوالي توبيخه لزيدون (فـِكـْرَك؟ نِحنا ما فينا نـْخـَتـِّم كل الطـَّلـَبات بـْفـَرْد مـَرَّة؟؟.. لـَكـِن سـُلالـِة أشـْلـُوح بـَدَّا تــْبَطـِّيء الزَّمـن!!) في ما يقوله الوالي تعبيرٌ صريحٌ وواضحٌ عن فلسفته ورؤيته لمسائل الحياة والتقدُّم وللعلاقة مع الزَّمن. وهنا نرى بكل وضوح أيضاً المعنى الكبير للخاتم وما حوله ولآلية السير بالإجراءات الإدارية للناس في ظل الأنظمة الرجعية التي تستخدم سلطتـُها أساليبَ بيروقراطية للتحكم بأمور المجتمع وكبـْح تقدمه وتطور أساليب حياة الناس وإنتاجهم التي يمكن أن تشكل عناصر مهمة في تفتحهم ووعيهم وتصبح بالتالي مصدر قلق لتلك السلطة التي تحتكر كلَّ شيء لنفسها وتفعل المستحيل ضماناً لديمومتها. يتابع الوالي حديثه بطريقته البليدة مؤكداً فلسفة جدوده من سلالة أشلوح: الوالي: بـَدَّا تـْبـَطـِّيء الزَّمـَن.. تـْخـَلـِّي الوَقـْت يـِمـْشي عـَلى مهـْلـُو وِتـْخـَلـِّي العـَمــايـِر تـِعـْمـَرْ مـِتـْـل الشــَّجـَــر شـْـوَيّ شـْـوَيّ والطـِّرْقـات تـِمـْشي مـِتـْل الأطفــال شـْـوَيّ شـْـوَيّ حتـَّى ما نـِشـْعـُر بالغـِرْبـِة ............ ويرق قلب الوالي الذي أعرب عن خوفه على قرنفل وهي في جوف البئر أكثر مما خاف على الخاتم مـُقـِرَّاً بأن جهنـَّم خاوية من الناس لأن (الإنسان أحلى من النار) وأنه ليس من المعقول أن يقتلها (معقول الإنسان يقـْتـُل واحد خاف عـْليه؟). إنه الحل الوسطي في الفكر الرحباني.. يتراجع الوالي طالما أن حقوقه مُصانة، ويقتنع بـمطاليب الناس المتمثلة بــِ (غسيل الخاتم) أي باستخدام تراث الأجداد بعد غسله وتنظيفه مما تراكم فوق سطحه من أوساخ الزمن وتنقيته بالشكل الذي يلائم متطلبات الأيام الحالية والاقتناع بتطويره دائماً كي يقبله المستقبل.. وليكن هذا التـُّراث بيـد الناس الأكثر فـُتـُوَّة ويقظة! يحيي الجميع مولاهم الوالي. وقبل أن يغادرهم إلى قصر النـوم يهرع شاكر بمعاملته طالباً خـَتـْمها (دَخيلـْكـُن مـْعاملـْتي) فيحيل الوالي أمره إلى قرنفل بطريقة ظريفة مذكـِّراً الناس بأنه لن يتخلـَّى عن حقه في النوم عندما يدبُّ النعاس (خـَلـَص.. نـْعِسـْت وْبـَدِّي نــــــــــــام): الوالي: مـْن اليوم وْرايـِح أنـا رَحْ نــام.. وْإنتي ياقرنفل خـَتـّمي مـَطـْرَحي إيـْدِك أرْشـَق من إيـْدي
تحميل الصفحة كنسخة ملائمة للطباعة
|
|