3

:: هل نحن شعوب عنصرية؟! ::

   
 

التاريخ : 11/08/2014

الكاتب : إبراهيم نصر الله   عدد القراءات : 1034

 


 

 

في منطقة ثلجية نائية في ألاسكا، كانت متسلقة الجبال العربية وحيدة هناك، حين التقت بفريق رياضي إندونيسي، وبمجرد أن صافحوها وتعرفوا إليها، انفلت أحد أعضاء الفريق يركض نحو إحدى الخيام، وبعد أقل من دقيقتين، رأته عائدا وابتسامته الدافئة تبدد صقيع ذلك الطقس الجليدي القاسي. وبمجرد وصوله، نشر علما كبيرا جاء به، لم يكن سوى العلم الفلسطيني. كان العلم مغطى بملصقات صغيرة لصور جبال وبلاد زارها الفريق.

كانت المفاجأة كبيرة، حقا، وباعثة على الأمل في مكان أكثر ما يحتاج فيه المرء إلى الأمل ليواصل رحلته ويتمّها بنجاح.

***

على الجانب الآخر من ذلك العالم، في عمّان، كنت ألتقي بطالبة الدكتوراه الإندونيسية التي تحمل الجنسية الأمريكية وتتحدث العربية بطلاقة، كانت هذه الباحثة قد حملت إلي مجموعة من الأسئلة الذكية حول روايتي الأخيرة (شرفة الهاوية).

أجبت على أسئلتها دون أن تخفي ملامحي حجم إعجابي بفطنتها التي نفتقدها غالبا في الأسئلة الصحفية. وحين انتهينا، بدأت أسئلتي حول إقامتها في عمان التي امتدت عدة أشهر.

كانت تجربتها كفيلة بأن تحمل عنّا أشدَّ الصور والأفكار قتامة، بل للحظة أحسست أنها لو كفرت بالعربية وناطقيها فإن الحق كل الحق معها. فقد كانت ملامح مواطني جنوب شرق آسيا لعنتها حيثما تحركت.

في أحد المولات الكبيرة، دخلت لتشتري بعض المواد الغذائية، وقبل وصولها إلى صندوق المحاسبة، اعترضها أحد الموظفين وطلب تفتيشها، متّهما إياها بالسرقة. أشهرت جواز السفر الأمريكي في وجهه، فلم ينفعها ذلك: إنه مزور بالتأكيد! قال لها. فتَّشوها، وبالطبع لم يجدوا شيئا، ولم يعتذروا، بل طلبوا منها ألا تعود ثانية. 

في متاجر أخرى لبيع الملابس، أو سواها، كان مجرد اقترابها من باب المتجر كافيا ليقفز الموظفون بسرعة سوبرمان لمنعها من الدخول، أما في سيارات التاكسي فكانت العروض والأحاديث التي توجه إليها أكثر ابتذالا من ردود الفعل في المتاجر.

***

لكن ما يحدث على المستوى الداخلي في البلد الواحد لا يقل خطورة وعنصرية أيضا، وإن تمّت تغطيته أحيانا بالفكاهة؛ هذا لا تنجو منه شعوب أخرى بالتأكيد، لكنني أتحدث هنا عن كيف يتحوّل أصل الفكاهة وسببها إلى نظرة فوقية، بل عنصرية، تمنع غالبا شخصا ما من الاقتران بفتاة أو العكس، لأنه/ لأنها تنتمي إلى منطقة بعينها، سواء من حيث المرتبة الاجتماعية (الثقافية) للمنطقة برمّتها، حتى لو كانت هذه المنطقة تعادل نصف الوطن، أو للون بشرة الإنسان. إذ سيبدو للمرء كما لو أن الأديان السماوية لم تكن هذه المنطقة مهدها، وكأن تعاليمها لم تمس يوما قلوب وأرواح معتنقيها!

في منطقة ما من البلد نفسه، تسمع أحدهم يقول دون رادع عن منطقة أخرى، أو مكوِّن اجتماعي، كلاما لا يقال، سواء من حيث إلقاء سكان تلك المنطقة في بؤرة التخلف أو بؤرة الغباء. وتأخذ الأمور منحى أعمّ، حين نتحدث عن بلدان لا يتورع أهلها عن إطلاق أحكام جاهزة ضد بلدان عربية أخرى بأكملها. وبلغ الأمر في الشهر الأخير حده الأقصى في التحريض على سحق شعب بأطفاله ورجاله ونسائه، وذلك بالوقوف إلى جانب الدبابة الصهيونية ضد أجساد أطفال غزة.

الأفكار المسبقة، سواء المصنوعة بدقة، أو الراسخة، حول الشعوب الأخرى، إما عنصرية وإما جاهلة، ومن المفارقة أن الجاهل له رأي هنا ولكنه الرأي المدمِّر لكل قيم العدالة الإنسانية، كالعنصري تماما.

لا أريد أن أتحدث عن العنصرية المضادة المتمثلة في احتقار الذات مقابل الأكثر قوة وبياضا! فهذه حكاية أخرى.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.